فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٨ - حكم القاضي بعلمه آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
وأمّا الحكم الثاني وهو الحجّية القضائية والنفوذ على الآخرين وعدم جواز نقضه ولا سماع الدعوى والبيّنة على خلافه فهو حكم آخر يترتّب على ذلك ويثبت على نفس حكم الحاكم بعلمه ـ لا الواقع ـ بدليل آخر : أمّا هو الدلالة الالتزامية لنفس العمومات المذكورة الآمرة بالحكم بالحقّ ، حيث إنّ الأمر بذلك لا محالة يكون لغرض نفوذه على المتخاصمين وإلاّ كان لغواً ، أو بالأدلّة الاُخرى الدالّة على حرمة ردّ حكم القاضي الشرعي المنصوب من قبلهم (عليهم السلام) ، من قبيل صحيح أبي خديجة ومقبولة عمر بن حنظلة وغيرهما .
وهكذا يتّضح : وقوع خلط في كلام هذا المحقّق بين ما هو موضوع جواز القضاء بالعلم وبين موضوع حجّية حكمه ونفوذه على الآخرين ، وأنّ الثاني حكم آخر يستحيل أن يكون موضوعه الواقع ، بل نفس حكم الحاكم ودليله يرتّبه على حكم الحاكم بعلمه إذا كان جائزاً له بمقتضى إطلاقه ، لا على الواقـع .
وثانياً : لو فرضنا أنّ موضوع نفوذ الحكم هو الواقع ـ كما يفترضه (قدس سره) ـ فكما لا تتمّ ميزانية العلم للقضاء بالنحو المطلوب لا تتمّ ميزانية البيّنة واليمين أيضاً ، فلا وجه للتفصيل الذي ذكره أيضاً .
والوجه في ذلك أنّ حجّية البيّنة وكذلك سائر الموازين والحجج مقيّدة بصورة عدم العلم بكذب البيّنة ولو لم يعلم بمخالفتها للواقع ، فمن علم بأنّ البيّنة كاذبة في شهادتها وأنّها لا علم لها أو أنّ اليمين كذلك فلا حجّية لهما في حقّه ، بل لو قامت بيّنة اُخرى على الخلاف أيضاً سقطت حجّية البيّنة التي استند إليها القاضي بالمعارضة في إثبات الواقع المترافع فيه ؛ لأنّ الحجّية مقيّدة بعدم المعارض ، فلا يحرز كون حكم القاضي المستند إليه حكماً بالحقّ والواقع لكي يكون نافذاً ، حتى لا تسمع الدعوى على الخلاف ، وكذلك لو كان مستند القاضي اليمين ثمّ قامت بيّنة على الخلاف عند القاضي الآخر فإنّها