المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٦٦
لهم: هذا لازم لكم في البحر بنقطة بول تقع فيه ولا فرق فان أبوا [١] من هذا قلنا لهم: فعرفونا بالمقدار من النجاسة الذى إذا جاور مقدارا محدودا أيضا من الماء ولا بد نجسه، فان أقدموا على تحديد ذلك زادوا في الضلال والهوس، وان لم يقدموا على ذلك تركوا قولهم، كالميتة فسادا ومجهولا لا يحل القول به في الدين * وأيضا فان كان الحكم عندكم لغالب الظن فانه يلزمكم أن تقولوا في قدح فيه أوقيتان من ماء فوقعت فيه مقدار الصآبة [٢] من بول كلب: إنه لم ينجس من الماء إلا مقدار ما يمكن أن تخالطه تلك النجاسة، وليس ذلك الا لمقدارها من الماء فقط، ويبقى سائر ماء القدح طاهرا حلالا شربه والوضوء به. وهكذا في جب فيه كرماء [٣] وقعت فيه أوقية بول فانه على أصلكم لا ينجس الا مقدار ما مازجته تلك الاوقيه وبقى سائر ذلك طاهرا مطهرا حلالا، ونحن موقنون وأنتم أنها لم تمازج عشر الكر ولا عشر عشره، فان التزمتم هذا فارقتم جميع مذاهبكم القديمة والحديثة، التى هي أفكار سوء مفسدة للدماغ، فان رجعتم إلى أن ما قرب من النجاسة ينجس، لزمكم ذلك كما قد الزمناكم في النيل والجيحون، وفى كل ماء جار، لانه يتصل بعضه ببعض فينجس جميعه لملاقاته الذي قد تنجس ولا بد - نعم - وفى البحر من نقطة بول تقع في كل ذلك، فاختاروا ما شئتم:. فان قالوا: لسنا على يقين من أن النهر الكبير أو البحر تنجس، ولا من أن المتوضئ به توضأ بماء خالطته النجاسة منه. قلنا لهم: هذا نفسه موجود في الجب والبئر وفى القلة وفي قدح فيه عشرة أرطال ماء إذا لم يظهر أثر النجاسة في شئ من ذلك ولا فرق،
[١] (أبى) فعل يتعدى بنفسه، وقد استعمله المؤلف كثيرا متعديا بمن كما في الاحكام له (ج ٢ ص ٢٧) وقد رد هذا نقلا عن الفارسى. واستعمله مرة في الاحكام متعديا بعن (ج ٤ ص ٢٣٧) ولم أجد له سندا
[٢] بضم الصاد المهملة وفتح الهمزة وبعدها ألف وباء. هي بيض البرغوث والقمل وجمعها (صئبان) وفي اليمنية (الصوانة) بالنون وهو خطأ
[٣] (الكر) بفتح الكاف وبالراء المشددة مكيال لاهل العراق وهو ستون قفيزا وقيل ستة أوقار حمار، قاله في اللسان