المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٦١
فبعضها عندكم لا ينجس الثوب والبدن والخف والنعل منه الا مقدار اكبر من الدرهم البغلي وربما قل، وبعضها لا ينجس هذه الاشياء الا ما كان ربع الثوب، ولا ندرى ما قولكم في الجسد والنعل والخف والارض، وبعضها تفرقون بين حكمها في نفسها في الثوب والجسد وبين حكمها في نفسها في البئر، فتقولون: ان قطرة خمر أو بول تنجس البئر ولا تنجس الثوب ولا الجسد حتى يكون ذلك أكثر من الدرهم البغلى، فأخبرونا عن غدير إذا حرك طرفه الواحد لم يتحرك الآخر وقعت فيه نقطة بول كلب أو نقطة بول شاة أو حلمة [١] ميتة أو فيل ميت متفسخ، هل كل هذا سواء أم لا؟ فان ساووا بين ذلك كله نقضوا أصلهم في تغليظ بعض النجاسات دون بعض، وتركوا قولهم إن بعرتين من بعر الابل أو بعرتين من بعر الغنم لا تنجس البئر، وإن فرقوا بين كل ذلك سألناهم تفصيل ذلك، ليكون ذلك زيادة في السخرياء [٢] والتخليط * قال على: وقالوا لنا: ما قولكم في خمر أو دم أو بول وقع ذلك في الماء فلم يظهر لشئ من ذلك في الماء طعم ولا لون ولا ريح، هل صار الخمر والبول والدم ماء أم بقى كل ذلك بحسبه؟ فان كان صار كل ذلك ماء فكيف هذا. وان كان بقى كل ذلك بحسبه فقد أبحتم الخمر والبول والدم وهذا عظيم وخلاف للاسلام؟ (قال أبو محمد) جوابنا وبالله تعالى التوفيق: إن العالم كله جوهرة واحدة تختلف ابعاضها بأعراضها وبصفاتها فقط، وبحسب اختلاف صفات كل جزء من العالم تختلف أسماء تلك الاجزاء التي عليها تقع أحكام الله عزوجل في الديانة، وعليها يقع التخاطب والتفاهم من جميع الناس بجميع اللغات، فالعنب عنب وليس زبيبا، والزبيب ليس عنبا، وعصير العنب ليس عنبا ولا خمرا، والخمر ليس عصيرا، والخل ليس خمرا، وأحكام كل ذلك في الديانة تختلف، والعين الحاملة واحدة، وكل ذلك له صفات منها يقوم
[١] الحلمة بفتح الحاء واللام القرادة الكبيرة وهي دويبة تعض الابل معروفة وقيل هي الصغيرة، وفى النسخة اليمنية (حلمة منتنة)
[٢] كذا في الاصلين بالمد ولم أجده في شئ من كتب اللغة، بل المصدر السخرية بضم السين، والاسم السخري بضم السين وكسرها مع تشديد الياء