المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٥١
ولم يقبل الخبث) قالوا: فدلت هذه الاحاديث على أن الماء يقبل النجاسة ما لم يبلغ حدا ما، قالوا: فكانت القلتان حدا منصوصا عليه فيما لا يقبل النجاسة منه، واحتج بهذا أيضا أصحاب أبي حنيفة في قولهم * ثم اختلفوا في تحديد القلتين، فقال بعض أصحاب أبى حنيفة: القلة أعلى الشئ، فمعنى القلتين ههنا القامتان، وقال الشافعي بما روى عن ابن جريج: ان القلتين من قلال هجر، وان قلال هجر القلة الواحدة قربتان أو قربتان وشئ، قال الشافعي: القربة مائة رطل، وقال أحمد بن حنبل بذلك، ولم يحد في القلتين حدا أكثر من انه قال مرة: القلتان أربع قرب، ومرة قال: خمس قرب، ولم يحدها بأرطال. وقال اسحاق: القلتان ست قرب، وقال وكيع ويحيى بن آدم: القلة الجرة وهو قول الحسن البصري، أي جرة كانت فهي قلة، وهو قول مجاهد وأبى عبيد، قال مجاهد: القلة الجرة، ولم يحد أبو عبيد في القلة حدا * وأظرف شئ تفريقهم بين الماء الجارى وغير الجارى، فان احتجوا في ذلك بان الماء الجارى إذا خالطته النجاسة مضى وخلفه طاهر: فقد علموا يقينا ان الذى خالطته النجاسة إذا انحدر فانما ينحدر كما هو، وهم يبيحون لمن تناوله في انحداره فتطهر به أن يتوضأ منه ويغتسل ويشرب، والنجاسة قد خالطته بلا شك، فوقعوا في نفس ما شنعوا وأنكروا. فان قالوا: لم نحتج في الفرق بين الماء الجارى وغير الجاري إلا بأن النهى إنما ورد عن الماء الراكد الذى يبال [١] فيه. قلنا: صدقتم، وهذا هو الحق، وبذلك الامر نفسه في ذلك الخبر نفسه فرقنا نحن بين من ورد عليه النهى وهو البائل، وبين من لم يرد عليه النهى وهو غير البائل، ولا سبيل إلى دليل يفرق بين ما أخذوا به من ذلك الخبر وبين ما تركوا منه. وبالله تعالى التوفيق * واحتجوا بحديث الفأرة في السمن فيما ادعوه من قبول ما عدا الماء للنجاسة * قال على: هذا كل ما احتجوا به، ما لهم حجة أصلا غير ما ذكرنا، وكل هذه الاحاديث صحاح ثابتة لا مغمز فيها، وكلها لا حجة لهم في شئ منها، وكلها حجة
[١] كتب في الاصلين (يبل)