المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢١٩
فان قيل: إنما نهى عن الاكل فيها والشرب. قلنا: هذان الخبران نهى عام عنهما جملة، فهما زائدان حكما وشرعا على الاخبار التى فيها النهي عن الشرب فقط أو الاكل والشرب فقط والزيادة في الحكم لا يحل خلافها * فان قيل: فقد جاء أن الذهب والحرير (حرام على ذكور أمتى حل لاناثها). قلنا: نعم، وحديث النهي عن آنية الذهب والفضة مستثنى من إباحة الذهب للنساء، لانه أقل منه، ولا بد من استعمال جميع الاخبار، ولا يوصل إلى استعمالها الا هكذا، وهم قد فعلوا هذا في الشرب في إناء الذهب والفضة، فانهم منعوا النساء من ذلك، واستثنوه من اباحة الذهب لهن * فان قيل: فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ظرفا لا يحل شيئا ولا يحرم شيئا [١])، قلنا: نعم، هذا حق وبه نقول، والماء الذى في إناء الذهب والفضة شربه حلال، والتطهر به حلال، وانما حرم استعمال الاناء، فلما لم يكن بد في الشرب [٢] منه وفى التطهر منه من معصية الله تعالى - التى هي استعمال الاناء المحرم - صار فاعل ذلك مجرجرا في بطنه نار جهنم بالنص، وكان في حال وضوئه وغسله عاصيا لله تعالى بذلك التطهر نفسه، ومن الباطل أن تنوب المعصية عن الطاعة، وأن يجزئ تطهير محرم عن تطهير مفترض * ثم نقول لهم: ان من العجب احتجاجكم بهذا الخبر علينا، ونحن نقول به وأنتم تخالفونه، فأبو حنيفة والشافعي يحرمون الوضوء والغسل بماء في إناء كان فيه خمر لم يظهر منها في الماء أثر، فقد جعلوا هذا الاناء يحرم هذا الماء، خلافا للخبر الثابت، وأما مالك فانه يحرم النبيذ الذى في الدباء والمزفت، وهو الذى أبطل هذا الخبر وفيه ورد، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها إباحة الحلى للنساء وتحريم الاناء من الفضة أو الاناء المفضض عليهن. وهو قولنا وبالله تعالى التوفيق. ١٥٤ - مسألة - ولا يحل الوضوء من ماء بئار الحجر - وهى أرض ثمود -
[١] رواه الجماعة الا البخاري وأبا داود كما قال ابن تيمية في المنتقى. وانظر نيل الاوطار (ج ٩ ص ٦٩) الطبعة المنيرية
[٢] في اليمنية (من الشرب) وهو خطأ