المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٠٤
وقالوا: النبيذ ماء بلا شك خالطه غيره، فإذ هو كذلك فالوضوء به جائز * قال أبو محمد: هذا كل ما يمكن أن يشغبوا به، ولا حجة لهم في شئ منه. ولله الحمد * أما الخبر المذكور فلم يصح، [١] لان في جميع طرقه من لا يعرف، أو من لا خير فيه، وقد تكلمنا عليه كلاما مستقصى [٢] في غير هذا الكتاب، ثم لو صح بنقل التواتر لم يكن لهم فيه حجة، لان ليلة الجن كانت بمكة قبل الهجرة ولم تنزل آية الوضوء الا بالمدينة في سورة النساء وفي سورة المائدة، ولم يأت قط أثر بأن الوضوء كان فرضا بمكة، فإذ ذلك كذلك فالوضوء بالنبيذ كلا وضوء، فسقط التعلق به لو صح * وأما الذى رووه من فعل الصحابة رضي الله عنهم فهو عليهم لا لهم، لان الاوزاعي والحسن بن حى وأبا حنيفة وأصحابه كلهم مخالفون لما روى عن الصحابة في ذلك، مجيزون للوضوء بماء البحر، ولا يجيزون الوضوء بالنبيذ، ما دام يوجد ماء البحر، وكلهم - حاشا حميدا صاحب الحسن بن حى - لا يجيز الوضوء البتة بالنبيذ مادام يوجد ماء البحر، وحميد صاحب الحسن يجيز الوضوء بماء البحر مع وجود النبيذ، فكلهم مخالف [٣] لما ادعوه من فعل الصحابة رضي الله عنهم في ذلك، ومن الباطل أن يرى المرء حجة على خصمه ما لا يراه حجة عليه * وأما الاثر عن على رضى الله عنه فلا حجة في أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا فان حميدا صاحب الحسن بن حي يخالف الرواية عن على في ذلك، لانه يرى الوضوء بنبيذ التمر مع وجود الماء، وهذا خلاف قول على، ويرى سائر الانبذة لا يحل بها الوضوء أصلا [٤]، وهذا خلاف الرواية عن على * وأما قولهم: إن في النبيذ ماء خالطه غيره، فهو لازم لهم في لبن مزج بماء، وفي الحبر لانه ماء مع عفص وزاج، وفي الامراق لانها ماء وزيت وخل، أو ماء
[١] في اليمنية (فلا يصح)
[٢] في اليمنية (متقصى)
[٣] في المصرية مخالفون
[٤] في اليمنية (ويرى أن سائر الانبذة لا يحل منها الوضوء أصلا)