المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٩٨
استقبال القبلة بالبول والغائط، ثم ينكر عليهم طاعته في ذلك، هذا مالا يظنه مسلم ولا ذو عقل، وفي هذا الخبر إنكار ذلك عليهم، فلو صح لكان منسوخا بلا شك، ثم لو صح لما كان فيه إلا إباحة الاستقبال فقط، لا إباحة الاستدبار أصلا فبطل تعلقهم بحديث عائشة جملة * وأما حديث جابر فانه رواية [١] أبان بن صالح وليس بالمشهور [٢]، وأيضا العيد في الامام: (ولعراك أحاديث عديدة عن عروة عن عائشة، قال: ولكن لقائل أن يقول: إذا كان الراوي عنه قوله سمعت ثقة فهو مقدم، لاحتمال أنه لقى الشيخ بعد ذلك فحدثه إذا كان ممن يمكن لقاؤه، وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة ولم ينكروه وأبو هريرة توفى هو وعائشة في سنة واحدة - سنة ٥٨ - فلا يبعد سماعه من عائشة مع كونهما في بلد واحد، ولعل هذا هو الذى أوجب لمسلم أن أخرج في صحيحه حديث عراك عن عائشة من رواية يزيد بن أبى زياد مولى ابن عباس عن عراك عن عائشة: جاءتي سكينة تحمل ابنتين لها. الحديث) ثم أيد ذلك ابن دقيق العيد برواية على بن عاصم التي ذكرنا. نقل ذلك عنه الزيلعي في نصب الراية (ج ١ ص ٢٧٣). وبهذا التحقيق - الذى قد لا تجده مفصلا في كتاب - يظهر لك أن حديث عائشة صحيح على شرط مسلم. وبالله تعالى التوفيق.
[١] في الاصلين (فان رواية) وهو خطأ
[٢] أبان وثقه ابن معين والعجلي وأبو زرعة وأبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر في التهذيب: (قال ابن عبد البر في التمهيد: حديث جابر ليس صحيحا لان أبان بن صالح ضعيف. وقال ابن حزم في المحلى عقب هذا الحديث: أبان ليس بالمشهور انتهى. وهذه غفلة منهما، وخطأ تراردا عليه، فلم يضعف أبان هذا أحد قبلهما، ويكفى فيه قول ابن معين ومن تقدم معه) وهذا الحديث هو من رواية محمد بن اسحق عن أبان. قال الزيلعى (ج ١ ص ٢٧٣). (وأخرجه ابن حبان في صحيحه في القسم الثاني والحاكم في المستدرك والدار قطني ثم البيهقي في سننهما، وعندهم الاربعة: حدثنى أبان بن صالح، فزالت تهمة التدليس) ثم نقل عن الترمذي في العلل الكبير قال: (سألت محمد بن اسمعيل - يعنى البخاري - عن هذا الحديث فقال: حديث صحيح).