المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٩٢
فقد نقل النووي وغيره الاجماع على طهارتها، ونحن لم نعلم قائلا ذهب إلى ما اختاره المؤلف رحمه الله. ولا بأس بذلك ان كان القول المختار يرجحه الدليل الصحيح. والآية التى استدل بها المؤلف لا تدل على ما ذهب إليه، فان الرجس كما يطلق على النجس يطلق على المستقذر وعلى الخبيث وعلى الماثم وعلى العذاب، قال الزجاج: (الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل فبالغ الله تعالى في ذم هذه الاشياء وسماها رجسا) نقله في اللسان، وقال الراغب الاصفهاني: (الرجس الشئ القذر، يقال رجل رجس ورجال أرجاس، قال تعالى (رجس من عمل الشيطان)، والرجس يكون على أربعة أوجه، إما من حيث الطبع، واما من جهة العقل، وإما من جهة الشرع، واما من كل ذلك كالميتة، فان الميتة تعاف طبعا وعقلا وشرعا. والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر، وقيل ان ذلك رجس من جهة العقل، وعلى ذلك نبه بقوله تعالى (واثمهما أكبر من نفعهما) لان كل مايو في اثمه على نفعه فالعقل يقتضى تجنبه). وليس معقولا في معنى الآية ارادة الرجس بمعنى النجس رغما عما اختاره المؤلف، فالميسر مثلا هو لعب القمار ولا يعقل فيه نجاسة من طهارة، وان ادعى أنه يريد آلة اللعب فهى دعوى غير موفقة، لانه ليس في آلة اللعب تحريم، انما التحريم على عمل المكلف، قال ابن جرير في التفسير (٧: ٢١): ((رجس): يقول: اثم ونتن سخطه الله وكرهه لكم (من عمل الشيطان) يقول: شربكم الخمر وقماركم على الجزر وذبحكم للانصاب واستقسامكم. بالازلام من تزيين الشيطان لكم ودعائه اياكم إليه وتحسينه لكم، لا من الاعمال التى ندبكم إليها ربكم، ولا مما يرضاه لكم، بل هو مما يسخطه لكم (فاجتنبوه) يقول: فاتركوه وارفضوه ولا تعملوه) وهذا تفسير دقيق لمعنى الآية يدل على خطأ ما فهمه ابن حزم من أن الرجس هو نفس الانصاب الخ وان الواجب اجتناب ذواتها وأجرامها. ومن هذا تعلم أن الآية لا تدل على نجاسة الخمر أيضا وهو الصحيح، قال النووي في المجموع (٢: ٥٦٤): (ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة لان الرجس عند أهل اللغة القذر ولا يلزم من ذلك النجاسة، وكذا الامر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة) ثم ذكر دليلا آخر على نجاستها ورده ثم قال: (وأقرب ما يقال ما ذكره الغزالي أنه يحكم بنجاستها تغليظا وزجرا عنها قياسا على الكلب وما ولغ فيه والله أعلم) وهذا دليل ضعيف جدا وان رآه النووي أقرب إلى القوة