المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٧٥
من ابوالها والبانها، فصحوا، فقتلوا الراعي وطردوا الابل) وذكر الحديث [١] فصح يقينا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم انما امرهم بذلك على سبيل الدواء من السقم الذى كان اصابهم، وانهم صحت اجسامهم بذلك، والتداوى بمنزلة ضرورة. وقد قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب * فان قيل: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رويتموه من طريق شعبة عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: ذكر طارق بن سويد أو سويد بن طارق: (أنه سال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه ثم سأله فنهاه، فقال يا نبي الله انها دواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ولكنها داء) وما روى من طريق جرير عن سليمان الشيباني عن حسان ابن المخارق عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم). فهذا كله لا حجة لهم فيه لان حديث علقمة بن وائل انما جاء من طريق سماك بن حرب وهو يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، [٢] ثم لو صح لو يكن فيه
[١] هو مطول في صحيح مسلم (ج ٢ ص ٢٥)
[٢] سماك بن حرب ثقة وكان تغير في آخر حياته فربما لقن، ولذلك كان من سمع منه قديما مثل شعبة وسفيان فحديثهم صحيح مستقيم. وهذا الحديث رواه مسلم (ج ٢ ص ١٢٥) وابو داود (ج ٤ ص ٧) والترمذي (ج ٢ ص ٤) والطيالسي (١٣٧) واحمد (٤: ٣١١ و ٦: ٣٩٩) كلهم من طريق شعبة عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه، وفي لفظ احمد: (أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم) الخ ورواه أحمد أيضا (٤: ٣١٧) من طريق اسرائيل عن سماك. وفي جميع هذه الروايات الحديث من رواية وائل بن حجر. ورواه أحمد (٤: ٣١١ و ٥: ٢٩٢) وابن ماجه (٢: ١٨٥) من طريق حماد بن سلمة عن سماك عن علقمة بن وائل عن طارق بن سويد، فجعله حماد من مسند طارق، وهو محتمل الا أبي أرجح خطأ حماد في هذه فقد خالفه شعبة واسرائيل - وهما أحفظ منه - فجعلاه من مسند وائل بن حجر والد علقمة. ويؤيد هذه أن علقمة روى الشك في اسم طارق بن سويد. فلو كان روي عنه الحديث مباشرة لرفع هذا الشك. والحديث فيما نرى صحيح من طريق شعبة واسرائيل. والله أعلم *