المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٦٥
ذلك [١] فما في القدر حلال أكله، لانه ليس فيه شئ من المحرمات أصلا، وقد أبطل الله تعالى تلك المحرمات وأحالها إلى الحلال. ثم نقلب عليهم هذا السؤال في دن خل رمى فيه خمر فلم يظهر للخمر أثر، فقولهم إن ذلك الذي في الدن كله حلال، فهذا تناقض منهم، وقول منهم بالذى شنعوا به فلزمهم التشنيع، لانهم عظموه ورأوه حجة، ولم يلزمنا لاننا لم نعظمه ولا رأيناه حجة. ولله الحمد * قال على: وأما متأخروهم فانهم لما رأوا أنهم لا يقدرون على ضبط هذا المذهب لفساده وسخافته فروا إلى أن قالوا: إننا لا نفرق بين غدير كبير ولا بحر ولا غير ذلك، لكن الحكم لغلبة الظن والرأى في الماء الذي يتوضأ منه ويغتسل منه، فان تيقنا أو غلب في ظنوننا أو النجاسة خالطته حرم استعماله ولو أنه ماء البحر، وان لم نتيقن ولاغلب في ظنوننا أنه خالطته نجاسة توضأنا به * قال على: وهذا المذهب أشد فسادا من الذى رغبوا عنه لوجوه: أولها، أنهم مقرون بأنه حكم بالظن، وهذا لا يحل، لان الله تعالى يقول: (ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث). ولا أسوأ حالا ممن يحكم في دين الله تعالى الذى هو الحق المحض بالظن الذى هو مقر بأنه لا يحققه. والثانى، أن يقال لهم: كما تظنون أن النجاسة لم تخالطه فظنوا أنها خالطته فاجتنبوه، لان الحكم بالظن أصل من أصولكم، فما الذى جعل إحدى جنبتى الظن أولى من الاخرى؟. والثالث، أن قولكم هذا تحكم منكم بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل. والرابع، أن نقول لهم: عرفونا ما معنى هذه المخالطة من النجاسة للماء؟ فلسنا نفهمها ولا أنتم ولا أحد في العالم - ولله الحمد - فان كنتم تريدون أن كل جزء من أجزاء الماء قد جاور جزءا من أجزاء النجاسة فهذه مجاورة لا مخالطة، وهذا لا يمكن البتة الا بأن يكون مقدار النجاسة كمقدار الماء سواء سواء، وإلا فقد فضلت أجزاء من الماء لم يجاورها شئ من النجاسة * فان قالوا: فقد تنجس كل ذلك وان كان لم يجاوره من النجاسة شئ، قلنا
[١] بهامش اليمنية. (أي لون ما طرح وريحه وطعمه)