المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٤٩
النحل الميت، وعلى أكل الخل وفيه الدود الميت، وعلى أكل الجبن والتين كذلك، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقل [١] الذباب في الطعام. قيل لهم وبالله تعالى التوفيق: إن كان الاجماع صح بذلك كما ادعيتم، وكان في الحديث المذكور دليل على جواز أكل الطعام يموت فيه الذباب كما زعمتم: فان وجه العمل في ذلك أحد وجهين: إما ان تقتصروا على ما صح به الاجماع من ذلك وجاء به الخبر خاصة، ويكون ما عدا ذلك بخلافه، إذ أصلكم أن ما لاقى الطاهرات من الانجاس فانه ينجسها، وما خرج عن أصله عندكم فانكم لا ترون القياس عليه سائغا أو تقيسوا على الذباب كل طائر، وعلى الدقش كل حيوان ذى أرجل، وعلى الدود كل منساب. ومن أين وقع لكم أن تقيسوا على ذلك مالا دم له؟ فأخطأتم مرتين احداهما أن الذباب له دم، والثانية اقتصاركم بالقياس على مالا دم له، دون أن تقيسوا على الذباب كل ذى جناحين أو كل ذى روح * فان قالوا: قسنا ما عدا ذلك على حديث الفأر في السمن. قيل لهم: ومن أين لكم عموم القياس على ذلك الخبر؟ فهلا قستم على الفأر كل ذى ذنب طويل، أو كل حشرة من غير السباع! وهذا مالا انفصال لهم منه أصلا. والعجب كله من حكمهم ان ما كان له دم سائل فهو النجس، فيقال لهم: فأى فرق بين تحريم الله تعالى الميتة وبين تحريم الله تعالى الدم؟ فمن أين جعلتم النجاسة للدم دون الميتة؟ وأغرب ذلك ان الميتة لا دم لها بعد الموت؟ فظهر فساد قولهم بكل وجه * وأما قول ابن القاسم فظاهر الخطأ، لانه رأى التيمم أولى من الماء النجس، فوجب أن المستعمل له ليس متوضئا، ثم لم ير الاعادة على من صلى كذلك الا في الوقت، وهو عنده مصل [٢] بغير وضوء *
[١] مقل النسئ في الشئ يمقله مقلا من باب قتل غمسه وغطسه قاله في اللسان.
[٢] في الاصلين (مصلى) وهو غلط