المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٣٠
الدين قيل: هبكم أن ذلك كذلك، أيجب من ذلك ان المشركين طاهرون؟ حاش لله من هذا، وما فهم قط من قول الله تعالى (انما المشركون نجس) مع قول نبيه صلى الله عليه وسلم (ان المؤمن لا ينجس) ان المشركين طاهرون، ولا عجب في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نص الله تعالى: أنهم نجس: إنهم طاهرون، ثم يقول في المنى الذى لم يأت قط بنجاسته نص: انه نجس، ويكفى من هذا القول سماعه. ونحمد الله على السلامة * فان قيل: قد أبيح لنا نكاح الكتابيات ووطؤهن، قلنا: نعم فأي دليل في هذا على أن لعلبها وعرقها ودمعها طاهر؟ فان قيل: انه لا يقدر على التحفظ من ذلك، قلنا: هذا خطأ، بل يفعل فيما مسه من لعلبها وعرقها مثل الذى يفعل إذا مسه بولها أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق، ولا حرج في ذلك، ثم هبك أنه لو صح لهم ذلك في نساء أهل الكتاب، من أين لهم طهارة رجالهم أو طهارة النساء والرجال من غير أهل الكتاب؟ فان قالوا: قلنا ذلك قياسا على أهل الكتاب، قلنا: القياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، لان أول بطلانه أن علتهم في طهارة الكتابيات جواز نكاحهن، وهذه العلة معدومة باقرارهم في غير الكتابيات، والقياس عندهم لا يجوز إلا بعلة جامعة بين الحكمين، وهذه علة مفرقة لا جامعة وبالله تعالى التوفيق [١] *
[١] القول بنجاسة بدن الكافر وعرقه وريقه الخ قول شاذ لم أعرفه روى عن أحد من العلماء إلا ما نقله ابن كثير في تفسيره (ج ٤ ص ٣٧٢) عن بعض أهل الظاهر ولعله يريد المؤلف، وإلا ما نقله الطبري في تفسيره (ج ١٠ ص ٧٤) عن الحسن (لا تصافحوهم فمن صافحهم فليتوضأ) ومن العجب العجاب أن ينسب أبو حيان في النهر بهامش البحر (ج ٥ ص ٢٧) للطبري القول بنجاسة أعيانهم! والطبري انما ذكره قولا عن أناس، وحكى أنه منسوب لابن عباس من غير وجه حميد فكره ذكره، والمؤلف انما اتى بمغالطات زعمها أدلة، وقد أباح الله للمؤمنين طعام أهل الكتاب ومؤاكلتهم، ولن يخلو هذا من آثارهم، وزواج الكتابيات يدعو إلى مخالطتهن أتم مخالطة، مما لا يمكن معه الاحتراز عن ريقهن وعرقهن في بدن