قضاياالمجتمع والأسرة والزواج - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٨٨ - المجتمع الأول
والشرف والخسّة ، وأعلى مراتبها الحياة الإنسانية ، ثمّ ما يليها ، ثمّ الأمثل فالأمثل ، وأمّا أنّ ذلك من طريق تبدّل كل نوع ممّا يُجاوره من النوع الأكمل ، فلا يُفيده هذا الدليل على سبيل الاستنتاج .
نعم ، يوجب حدساً ما غير يقيني بذلك ، فالقول بتبدُّل الأنواع بالتطوُّر فرضية حدسية ، تبتني عليها العلوم الطبيعية اليوم ، ومن الممكن أن يتغيّر يوماً إلى خلافها بتقدّم العلوم وتوسّع الأبحاث .
وربّما استُدلّ على هذا القول بقوله تعالى : ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) [١] ، بتقريب : أنّ الاصطفاء هو انتخاب صفوة الشيء ، وإنّما يصدق الانتخاب فيما إذا كان هناك جماعة يُختار المصطفى من بينهم ويؤثَر عليهم ، كما اصطُفي كلٌّ من نوح وآل إبراهيم وآل عمران من بين قومهم ، ولا زال ذلك أن يكون مع آدم قوم غيره فيُصطفى من بينهم عليهم ، وليس إلاّ البشر الأوّلي غير المجهّز بجهاز التعقُّل فاصطُفي آدم من بينهم ، فجُهِّز بالعقل ، فانتقل من مرتبة نوعيتهم إلى مرتبة الإنسان المجهَّز بالعقل الكامل بالنسبة إليهم ، ثمّ نَسل وكثُر نسله ، وانقرض الإنسان الأوّلي الناقص .
وفيه أنّ ( ... الْعَالَمِينَ ) في الآية جمع مُحلَّى باللام ، وهو يُفيد العموم ويصدق على عامّة البشر إلى يوم القيامة ، فهم مصطفون على جميع المعاصرين لهم والآتين بعدهم ، كمثل قوله : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) ، فما المانع من كون آدم مصطفى مَختاراً من بين أولاده ما خلا المذكورين منهم في الآية ؟ وعلى تقدير اختصاص الاصطفاء بما بين المعاصرين وعليهم ، ما هو المانع من كونه مصطفى مختاراً من بين أولاده
[١] سورة آل عمران ، الآية : ٣٣ .