قضاياالمجتمع والأسرة والزواج - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٨ - هل تقبل سنّة الإسلام الاجتماعية الإجراء والبقاء ؟
والإسلام كسائر السُّنن من جهة النظر الطبيعي والاجتماعي ، وليس بمستثنى من هذه الكلّية ، فحاله ـ من حيث التقدُّم والتأخُّر والاستظهار بالعوامل والظروف ـ حال سائر السُّنن ، وليس حال الإسلام اليوم ـ وقد تمكّن في نفوس ما يزيد على أربعمائة مليون [١] من أفراد البشر ، ونشب في قلوبهم ـ بأضعف من حاله في الدنيا زمان دعوة نوح وإبراهيم ومحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقد قامت دعوة كلٍّ منهم بنفس واحدة لم تكن تعرف الدنيا وقتئذ غير الفساد ، ثمّ انبسطت وتعرّقت وعاشت ، واتّصل بعضها ببعض ، فلم ينقطع حتى اليوم . وقد قام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالدعوة ، ولم يكن معه مَن يستظهر به يومئذ إلاّ رجل وامرأة ، ثم لم يزل يلحق بهم واحد بعد واحد ، واليوم يوم العُسرة كل العُسرة ، حتى أتاهم نصر الله ، فتشكّلوا مجتمعاً صالحاً ، ذا أفراد يغلب عليهم الصلاح والتقوى ، ومكثوا بُرهة على الصلاح الاجتماعي ، حتى كان من أمر الفتن بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما كان .
وهذا الأنموذج اليسير ـ على قصر عمره وضيق نطاقه ـ لم يلبث حتى انبسط في أقلِّ من نصف قرن على مشارق الأرض ومغاربها ، وحوّل التاريخ تحويلاً جوهرياً ، يُشاهد آثاره الهامّة إلى يومنا ، وستدوم ثمّ تدوم .
ولا يستطيع أن يستنكف الأبحاث الاجتماعية والنفسية في التاريخ النظري ، عن الاعتراف بأنّ المنشأ القريب ، والعامل التام للتحوُّل المعاصر المشهور في الدنيا ، هو ظهور السنّة الإسلامية وطلوعها ، ولم يُهمل جُلّ الباحثين في أوربّا استيفاء البحث عن تأثيرها في المجتمع الإنساني ، إلاّ لعصبية دينية أو عِلل سياسية ، وكيف يسع لباحث خبير ـ لو أنصف النظر ـ أن يُسمِّي النهضة المدنية الحديثة نهضة مسيحية ، ويعدُّ المسيح (عليه السلام) قائدها وحامل
[١] يُقدَّر عدد المسلمين أكثر من ذلك ، بل حتى أكثر من مليار نسمة .