فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٧ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
إلى حدّ يجعله ينطبق على المفهوم المعارض له وينسجم معه لا يعني إلاّ تخلّيه عن واقعه الفلسفي الخاصّ ، وعجزه عن الردّ على ما يعارضه من مفاهيم .
أضف إلى ذلك أنّ المادّية الجدلية لا تسمح للينين أن يعترف بحقيقة مطلقة ؛ لأنّ ذلك يتنافى مع الجدل القائل بتطوّر جميع الحقائق طبقاً للتناقضات المحتواة فيها ، فهل الخاصّة الأساسية للمادّة في مفهومها اللينيني الجديد خاصّة مطلقة لا تتطوّر ولا تخضع لقانون الجدل وتناقضاته ؟ فإن كانت كذلك فقد وجدت ـ إذن ـ الحقيقة المطلقة التي يرفضها الديالكتيك ولا تقرّها أصول الجدل الماركسي . وإن كانت هذه الخاصّة خاصّة جدلية ومحتوية على التناقضات الدافعة لها إلى التطوّر والتغيّر كسائر حقائق العالم ، فمعنى ذلك : أنّ المادّية تشكو هي ـ أيضاً ـ من التناقض ، وتضطرّ لأجل ذلك إلى التغيّر والتبدّل ونزع الصفة الأساسية للمادّة عنها .
والنتيجة التي نخرج بها هي : أنّ النزعة المثالية عند الفيزيائيين نشأت عن عدم التمييز بين المسألتين الفلسفيتين اللتين شرحناهما ، وليست وليدة الأدلّة العلمية بصورة مباشرة .
ومع هذا فيجب أن نشير إلى عامر آخر لعب دوراً مهمّاً في زعزعة يقين العلماء بالواقع الموضوعي ، وهو : انهيار المسلّمات العلمية في الميدان العلمي الحديث ، فبينما كانت تعتبر تلك المسلّمات حقائق قاطعة لا تقبل الشكّ ، استطاع العلم أن يزيّفها ويبرهن على خطأها ، فذابت في لحظة ذرّات (جون دالتون) وتزعزع قانون عدم فناء المادّة ، ودلّلت التجارب على أنّ المادّة وَهم عاش فيه البشر آلاف السنين ، فكان ردّ الفعل لذلك أن ثار الشكّ من جديد وطغى على أفكار عدّة من العلماء ، فإذا كانت مسلّمات العلم بالأمس أخطاء اليوم فلماذا