فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٤٠ - إيضاح عدّة نقاط عن المفهومين
السؤال الثالث : إذا لم تكفِ التجربة العلمية بذاتها للبرهنة على المفهوم الإلهي والمادّي على السواء ، فهل يمكن للفكر البشري أن يستدلّ على أحد المفهومين ما داما معاً خارجين عن النطاق التجريبي ؟ أو إنّه يصبح مضطراً إلى الاستسلام للشكّ ، وتجميد مسألة الإلهية والمادّية ، والانصراف إلى المجال العلمي المثمر ؟
والجواب : أنّ القدرة الفكرية للبشر كافية لدرس هذه المسألة ، والانطلاق فيها من التجربة ذاتها ، ولكن لا على أن تكون التجربة هي الدليل المباشر على المفهوم الذي نكوّنه عن العالم ، بل تكون التجربة نقطة الابتداء ، ويوضع المفهوم الفلسفي الصحيح للعالم ـ وهو المفهوم الإلهي ـ على ضوء تفسير التجربة والظواهر التجريبية ، بالمعلومات العقلية المستقلّة .
ولا بدّ أنّ القارئ يتذكّر دراستنا ـ في نظرية المعرفة (المسألة الأولى) ـ للمذهب العقلي ، وكيف أوضحنا بالبرهان وجود معارف عقلية مستقلّة ، على شكل تبيّن أنّ إضافة معارف عقلية إلى التجربة أمر ضروري لا في مسألتنا الفلسفية فحسب ، بل في جميع المسائل العلمية . فما من نظرية علمية ترتكز على أساس تجريبي بحت ، وإنّما تقوم على أساس التجربة ، وعلى ضوء المعلومات العقلية المستقلة . فلا تختلف قضيّتنا الفلسفية التي تتناول البحث عمّا وراء عالم الطبيعة ، عن كلّ قضية علمية تبحث عن أحد قوانين الطبيعة ، أو تكشف شيئاً من قواها وأسرارها . فالتجربة في جميع ذلك نقطة الانطلاق ، وهي مع ذلك بحاجة إلى تفسير عقلي لتستنتج منها الحقيقة الفلسفية أو العلمية [١] .
[١] وقد أشرنا في بحث (نظريّة المعرفة) إلى أنّ السيّد المؤلّف (قُدِّسَ سِرُّه) توصّل بعد تأليفه لهذا الكتاب إلى مذهب جديد للمعرفة في مقابل المذهب العقلي والتجريبي ، وهو المذهب