فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧٠ - التصوّر ومصدره الأساسي
١ ـ نظرية الاستذكار الأفلاطونية [١] :
وهي النظرية القائلة : بأنّ الإدراك عملية استذكار للمعلومات السابقة . وقد ابتدع هذه النظرية أفلاطون ، وأقامها على فلسفته الخاصّة عن المُثل وقِدم النفس الإنسانية ، فكان يعتقد أنّ النفس الإنسانية موجودة بصورة مستقلّة عن البدن قبل وجوده ، ولمّا كان وجودها هذا متحرّراً من المادّة وقيودها تحرّراً كاملاً ، أُتيح لها الاتّصال بالمثل أي : بالحقائق المجرّدة عن المادّة ، وأمكنها العلم بها ، وحين اضطرّت إلى الهبوط من عالمها المجرّد للاتّصال بالبدن والارتباط به في دنيا المادّة ، فقدت بسبب ذلك كلّ ما كانت تعلمه من تلك المثل والحقائق الثابتة ، وذهلت عنها ذهولاً تاماً ، ولكنّها تبدأ باسترجاع إدراكاتها عن طريق الإحساس بالمعاني الخاصّة والأشياء الجزئية ؛ لأنّ هذه المعاني والأشياء كلّها ظلال وانعكاسات لتلك المثل والحقائق الأزلية الخالدة في العالم الذي كانت تعيش النفس فيه . فمتى أحسّت بمعنى خاصّ انتقلت فوراً إلى الحقيقة المثالية التي كانت تدركها قبل اتّصالها بالبدن ، وعلى هذا الأساس يكون إدراكنا للإنسان العامّ ـ أي : لمفهوم الإنسان بصورة كلّية ـ عبارة عن استذكار لحقيقة مجرّدة كنّا قد غفلنا عنها ، وإنّما استذكرناها بسبب الإحساس بهذا الإنسان الخاصّ أو ذاك من الأفراد التي تعكس في عالم المادّة تلك الحقيقة لمجرّدة .
فالتصوّرات العامّة سابقة على الإحساس ، ولا يقوم الإحساس إلاّ بعملية استرجاع واستذكار لها ، والإدراكات العقلية لا تتعلّق بالأُمور الجزئية التي تدخل
[١] يراجع للتفصيل والتوضيح : صدر الدين الشيرازي ، الأسفار الأربعة : ٢ / ٤٦ ، الفصل ٩ . مصطفى غالب ، أفلاطون : ٤١ . محمّد عبد الرحمن مرحبا ، من الفلسفة اليونانيّة إلى الفلسفة الإسلامية : ١٢٦ ـ ١٣٠ .