فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٠ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
واللاّشعورية ، والمادّية التاريخية) ؛ فإنّنا ناقشنا السلوكية ورصيدها العلمي المزعوم من تجارب (بافلوف) في دراستنا للإدراك ـ الجزء الخامس من القسم الثاني لهذا الكتاب ـ واستطعنا أن نبرهن على أنّ السلوكية لا تكفي تفسيراً مقبولاً للفكر ، كما تناولنا في كتاب (اقتصادنا) المادّية التاريخية بالدرس والنقد الموسّع بوصفها الأساس العلمي للاقتصاد الماركسي ، وانتهينا إلى نتائج تدين المادّية التاريخية في أرصدتها الفلسفية والعلمية ، وتبرز ألوان التناقض بينها وبين اتّجاه الحركة التاريخية في واقع الحياة . وأمّا نظرية فرويد في التحليل النفسي ، فلها موضعها من البحث في كتاب (مجتمعنا) .
فنحن هنا ـ إذن ـ لسنا بصدد نقاش تلك النظريات في مجالاتها الخاصّة ، وإنّما سوف نقتصر على الحديث عنها بالقدر الذي يتّصل بنظرية المعرفة .
ففي حدود العلاقة بين تلك النظريات ونظرية المعرفة نستطيع القول بأنّ البرهنة ضدّ المعرفة البشرية وقيمتها الموضوعية بنظرية علمية ، تنطوي على تناقض وبالتالي على استحالة فاضحة ؛ لأنّ النظرية العلمية التي تُقدَّم ضدّ المعرفة البشرية ولإزالة الثقة بها ، سوف تَحكم على ذاتها أيضاً ، وتنسف أساسها ، وتسقط عن الاعتبار ؛ لأنّها ليست إلاّ إحدى تلك المعارف التي تحاربها وتشكّ أو تنكر قيمتها ، ولذلك كان من المستحيل أن تتّخذ النظرية العلمية دليلاً على الشكّ الفلسفي ومبرِّراً لتجريد المعرفة من قيمتها .
فالنظرية السلوكية تصوّر الفكر باعتباره حالة مادّية تحدث في جسم المفكّر بأسباب مادّية كما تحدث حالة ضغط الدم فيه ، ولأجل ذلك تنتهي بتجريده من قيمته الموضوعية ، غير أنّ هذه النظرية ليست هي من وجهة نظر السلوكية نفسها إلاّ حالة خاصّة حدثت في أجسام أصحاب النظرية أنفسهم ، ولا تعبِّر عن شيء سوى ذلك .