فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٧٢ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
فرد في عملية اكتسابه لتلك الحقائق . فليست الحقيقة ـ في هذا المفهوم الجديد ـ إلاّ الأمر الذي تقتضيه ظروف الإدراك وشرائطه . ولمّا كانت هذه الظروف والشرائط تختلف في الأفراد والحالات المتنوّعة ، كانت الحقيقة في كلّ مجال حقيقة بالنسبة إلى ذلك المجال الخاصّ بما ينطوي عليه من ظروف وشرائط . وليست الحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع لتكون مطلقة بالنسبة إلى جميع الأحوال والأشخاص .
وهذه النسبية وإن كانت تحمل شعار الحقيقة ، ولكنّه شعار مزيّف ، فليست هي ـ كما يبدو بكلّ وضوح ـ إلاّ مذهباً من مذاهب الشكّ والريب في كلّ واقع موضوعي .
ويساند النسبية الذاتية هذه الاتّجاه الفيزيولوجي للمثالية القائل : إنّ الإحساس لا يعدو أن يكون رمزاً ، وإنّ الذي يحدّد كيفيّته ونوعيّته ليس هو الشيء الخارجي بل طبيعة الجهاز العصبي .
والواقع : أنّ السبب الأصيل الذي أتاح الظهور لهذه النسبية الذاتية هو التفسير المادّي للإدراك ، واعتباره محتوى عملية مادّية يتفاعل فيها الجهاز العصبي المدرِك والشيء الموضوعي ، كالهضم الذي تحقّقه عملية تفاعل خاصّ بين الجهاز الهاضم والموادّ الغذائية ، فكما أنّ الغذاء لا يتفاعل ولا يهضم إلاّ بإجراء عدّة تصرّفات وتطويرات عليه ، كذلك الشيء الذي ندركه لا يتاح لنا إدراكه إلاّ بالتصرّف فيه والتفاعل معه .
وتختلف هذه النسبية عن نسبية (كانت) في نقطتين :
الأولى ـ أنّها تُخضِع جميع الحقائق للطابع النسبي الذاتي من دون استثناء ، خلافاً لـ (كانت) ؛ إذ كان يعتبر المبادئ والمعارف الرياضية حقائق مطلقة : فـ ٢ + ٢ = ٤ حقيقة مطلقة لا تقبل الشكّ في رأي (كانت) . وأمّا في رأي النسبيين