فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٨٧ - المفهوم الفلسفي للمادّة
فتبرهن على أنّها مركّبة من صورة ومادّة أبسط . فنحن لا نتصوّر وحدة مادّية من دون اتّصال ؛ لأنّها لو لم تكن متّصلة اتصالاً حقيقياً ، لكانت محتوية على فراغ تتخلّله أجزاء ، كالجسم . فمعنى الوحدة هي أن تكون متّصلة ، فلا تكون وحدة حقيقية بلا اتّصال ، ولكنّها في نفس الوقت قابلة للتجزئة والانفصال أيضاً .
ومن الواضح : أنّ ما يقبل التجزئة والانفصال ليس هو نفس الاتّصالية المقوّمة للوحدة المادّية ؛ لأنّ الاتّصال لا يمكن أن يتّصف بالانفصال ، كما أنّ السيولة لم يكن من الممكن أن تتّصف بالغازية . فيجب أن تكون للوحدة مادّة بسيطة ، وهي التي تقبل التجزئة والانفصال . ويؤدّي ذلك إلى اعتبارها مركّبة من مادّة ، وصورة . فالمادّة هي القابلة للتجزئة والانفصال الهادم للوحدة ، كما أنّها هي القابلة للاتّصال أيضاً ، الذي يحقّق الوحدة ، وأمّا الصورة فهي نفس هذه الاتّصالية التي لا يمكن أن نتصوّر وحدة مادّية من دونها .
ولكن المسألة التي تواجهنا في هذه المرحلة هي : أنّ الفلسفة كيف يمكنها معرفة أنّ الوحدات الأساسية في المادّة قابلة للتجزئة والانفصال ؟ وهل يوجد سبيل إلى ذلك إلاّ بالتجربة العلمية ؟ والتجربة العلمية لم تثبت قابلية الوحدات الأساسية في المادّة للتجزئة والانقسام .
ومرّة أخرى نؤكّد على ضرورة عدم الخلط بين المادّة العلمية والمادّة الفلسفية ؛ ذلك أنّ الفلسفة لا تدّعي أنّ تجزئة الوحدة أمر ميسور بالأجهزة والوسائل العلمية التي يملكها الإنسان ؛ فإنّ هذه الدعوى من حقّ العلم وحده ، وإنّما تبرهن على أنّ كلّ وحدة فهي قابلة للانقسام والتجزئة وإن لم يمكن تحقيق الانقسام خارجاً بالوسائل العلمية ، ولا يمكن أن يتصوّر وحدة من دون قابلية الانقسام ، أي : لا يمكن أن يتصوّر جزء لا يتجزّأ .