فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٥٣ - لماذا تحتاج الأشياء إلى علّة ؟
ارتباطاً بالرسّام ، ولا الرسّام في حقيقته مجرّد ارتباط باللوحة ، بل الارتباط صفة توجد لهما بعد وجود كلّ منهما بصورة مستقلّة .
وهذه المفارقة بين حقيقة الارتباط ، والكيان المستقلّ لكلّ من الشيئين المرتبطين ، تتجلّى في كلّ أنواع الارتباط ، باستثناء نوع واحد ، وهو : ارتباط شيئين برباط العلّية . فلو أنّ (ب) ارتبط بـ (أ) ارتباطاً سببياً ، وكان معلولاً له ومسبّباً عنه ، لوجد لدينا شيئان : أحدهما معلول وهو (ب) ، والآخر علّة وهو (أ) . وأمّا العلّية التي تقوم بينهما ، فهي لون ارتباط أحدهما بالآخر . والمسألة هي : أنّ (ب) هل يملك وجوداً بصورة مستقلّة عن ارتباطه بـ (أ) ، ثمّ يعرض له الارتباط ، كما هو شأن اللوحة بالإضافة إلى الرسّام ؟ ولا نحتاج إلى كثير من الدرس لنجيب بالنفي ؛ فإنّ (ب) لو كان يملك وجوداً حقيقياً وراء ارتباطه بسببه ، لم يكن معلولاً لـ (أ) ؛ لأنّه ما دام موجوداً بصورة مستقلّة عن ارتباطه به ، فلا يمكن أن يكون منبثقاً عنه وناشئاً منه . فالعلّية بطبيعتها تقتضي أن لا يكون للمعلول حقيقة وراء ارتباطه بعلّته ، وإلاّ لم يكن معلولاً .
ويتّضح بذلك : أنّ الوجود المعلول ليس له حقيقة إلاّ نفس الارتباط بالعلّة والتعلّق بها . وهذا هو الفارق الرئيسي بين ارتباط المعلول بعلّته ، وارتباط اللوحة بالرسّام ، أو القلم بالكاتب ، أو الكتاب بالمطالع ؛ فإنّ اللوحة والقلم والكتاب أشياء تتّصف بالارتباط مع الرسّام والكاتب والمطالع . وأمّا (ب) فهو ليس شيئاً له ارتباط وتعلّق بالعلّة ؛ لأنّ افتراضه كذلك يستدعي أن يكون له وجود مستقلّ يعرضه الارتباط ، كما يعرض للّوحة الموجودة بين يدي الرسّام ، ويخرج بذلك عن كونه معلولاً ، بل هو نفس الارتباط ، بمعنى : أنّ كيانه ووجوده كيان ارتباطي ووجود تعلّقي ، ولذلك كان قطع ارتباطه بالعلّة إفناءٍ له ، وإعداماً لكيانه ؛ لأنّ كيانه