فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٢٢ - الإدراك في مفهومه الفلسفي
لأنّ ذلك لا يهمّ البحث الفلسفي ، فلنأخذ بها كمسلّمة علمية ، ولنفترض أنّها صحيحة ؛ فإنّ هذا الافتراض لا يغيّر من موقفنا الفلسفي شيئاً ، كما يظهر ذلك في ضوء ما قدّمناه من تحديدات للدراسة الفلسفية في بحوث النفس ؛ إذ إنّ مؤدّى النظرية هو : أنّ الصورة العقلية المدرَكة بخصائصها الهندسية ، وطولها وعرضها وعمقها ، لم توجد بسبب الإحساس البصري البسيط فحسب ، بل بالتعاون مع إحساسات بصرية ، وحركات عضلية أخرى ، اكتسبت مدلولاً هندسياً بارتباطها باللمس واقترانها معه في التجارب المتكرّرة ، وسوف نواجه بعد التسليم بهذا نفس السؤال الفلسفي الأوّل ، وهو السؤال عن هذه الصورة العقلية التي كوّنها الإحساس البصري بالاشتراك مع أحاسيس وحركات أخرى ، أين توجد ؟ وهل هي صورة مادّية قائمة في عضوٍ مادّي ، أو صورة ميتافيزيقية مجرّدة عن المادّة ؟ ومرّة أخرى نجد أنفسنا مضطرّين إلى الأخذ بوجهة النظر الميتافيزيقي ؛ لأنّ هذه الصورة بخصائصها وامتدادها آلاف الأمتار لا يمكن أن توجد في عضوٍ مادّي صغير ، كما لا يمكن أن توجد على ورقة صغيرة ، فيجب ـ إذن ـ أن تكون صورة مجرّدة عن المادّة .
هذا ما يتّصل بظاهرة الخصائص الهندسية للصورة العقلية المدرَكة .
وأمّا الظاهرة الثانية التي يتاح لمفهومنا الفلسفي أن يرتكز عليها ، فهي ظاهرة الثبات ، ونعني بها : إنّ الصورة العقلية المدرَكة تميل إلى الثبات ، ولا تتغيّر طبقاً لتغيّرات الصورة المنعكسة على الجهاز العصبي . فهذا قلم إذا وضعناه على بعد متر واحد منّا ، انعكست عنه صورة ضوئية خاصّة ، وإذا ضاعفنا المسافة التي تفصلنا عنه ، ونظرنا إليه على بعد مترين ، فإنّ الصورة التي يعكسها سوف تقلّ إلى نصف ما كانت عليه في حالتها الأُولى ، مع أنّ إدراكنا لحجم القلم لن يتغيّر تغيّراً يذكر ، أي : أنّ الصورة العقلية للقلم التي نبصرها تبقى ثابتة بالرغم من تغيّر