فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٦٧ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
وعلى هذا الضوء وضع (كانت) حدّاً فاصلاً بين (الشيء في ذاته) و (الشيء لذاتنا) : فالشيء في ذاته هو : الواقع الخارجي دون أيّ إضافة من ذاتنا إليه . وهذا الواقع المجرّد عن الإضافة الذاتية لا يقبل المعرفة ؛ لأنّ المعرفة ذاتية وعقلية في صورتها . والشيء لذاتنا هو : المزيج المركّب من الموضوع التجريبي ، والصورة الفطرية القبلية التي تتّحد معه في الذهن . ولهذا تكون النسبية مفروضة على كلّ حقيقة تمثّل في إدراكاتنا للأشياء الخارجية ، بمعنى : أنّ إدراكنا يدلّنا على حقيقة الشيء لذاتنا ، لا على حقيقة الشيء في ذاته .
وبذلك تختلف العلوم الطبيعية عن العلوم الرياضية ؛ فإنّ العلوم الرياضية لمّا كان موضوعها موجوداً في النفس بصورة فطرية ، لم تقم فيها اثنينية بين الشيء في ذاته والشيء لذاتنا ، وعلى عكس ذلك العلوم الطبيعية ؛ فإنّها تتناول الظواهر الخارجية التي تقع عليها التجربة ، وهي ظواهر موجودة بصورة مستقلّة عنّا ، ونحن نعلمها في قوالبنا الفطرية ، فلا غرو أن يفصل بين الشيء في ذاته والشيء لنا .
الثالثة : الميتافيزيقا . ويرى (كانت) استحالة التوصّل فيها إلى معرفة عن طريق العقل النظري ، وأنّ أي محاولة لإقامة معرفة ميتافيزيقية على أساس فلسفي هي محاولة فاشلة ليست لها قيمة ؛ وذلك أنّه لا يصحّ في القضايا الميتافيزيقية شيء من الأحكام التركيبية الأوّلية والأحكام التركيبية الثانوية :
أمّا الأحكام التركيبية الأوّلية ، فهي لمّا كانت أحكاماً مستقلّة عن التجربة ، فلا تصحّ إلاّ على موضوعات مخلوقة للنفس بصورة فطرية وجاهزة في الذهن بلا تجربة ، كموضوعي العلوم الرياضية من الزمان والمكان ، وليست الأشياء التي تتناولها الميتافيزيقا ـ وهي الله ، والنفس ، والعالم ـ كذلك ؛ فإنّ الميتافيزيقا لا تعالج أموراً ذهنية ، وإنّما تحوّل البحث عن أشياء موضوعية قائمة في نفسها .