فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٦ - نقد المذهب التجريبي
الذي يباع فيه ؟
فإن كانت علاقة ضرورية فقد ثبت مبدأ العلّية ، واعترف ضمناً بقيام علاقة غير تجريبية بين فكرتين ، وهي : علاقة الضرورة ، فإن الضرورة سواء أكانت بين فكرتين أم بين واقعين موضوعيين لا يمكن إثباتها بالتجربة الحسّية .
وإن كانت العلاقة مجرّد مقارنة ، فلم يتحقق لـ (دافيد) ما أراد من تفسير عنصر الضرورة في قانون العلّة والمعلول .
وثالثاً : أنّ الضرورة التي ندركها في علاقة العلّية بين علة ومعلول ليس فيها ـ مطلقاً ـ أيُّ أثر لإلزام العقل باستدعاء إحدى الفكرتين عند حصول الفكرة الأخرى فيه ، ولذا لا تختلف هذه الضرورة التي ندركها بين العلّة والمعلول بين ما إذا كانت لدينا فكرة معيّنة عن الصلة وما إذا لم تكن ، فليست الضرورة في مبدأ العلّية ضرورة سيكولوجية ، بل هي ضرورة موضوعية .
ورابعاً : أنّ العلّة والمعلول قد يكونان مقترنين تماماً ومع ذلك ندرك علِّية أحدهما للآخر ، كحركة اليد وحركة القلم حلّ الكتابة ؛ فإنّ حركة اليد وحركة القلم توجدان دائماً في وقت واحد ، فلو كان مرد الضرورة والعلّية إلى استتباع إحدى العمليتين العقليتين للأخرى بالتداعي لَمَا أمكن في هذا المثال أن تحتل حركة اليد مركز العلّة حركة القلم ، لأن العقل قد أدرك الحركتين في وقت واحد فلماذا وضع إحداهما موضع العلّة والأخرى موضع المعلول ؟ !
وبكلمة أخرى : أنّ تفسير العلّية بضرورة سيكولوجية يعني أن العلّة إنما اعتبرت علة لا لأنها في الواقع الموضوعي سابقة على المعلول ومولدة له ، بل لأن إدراكها يتعقبه دائماً إدراك المعلول بتداعي المعاني فتكون لذلك علة له ، وهذا التفسير لا يمكنه أن يشرح لنا كيف صارت حركة اليد علة لحركة القلم مع أن حركة القلم لا تجيء عقب حركة اليد في الإدراك ، وإنّما تدرك الحركتان معاً ،