فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٣٠ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
٢ ـ ديكارت [١] :
وهو من أقطاب الفلاسفة العقليين ومؤسّسي النهضة الفلسفية في أوروبا . بدأ فلسفته بالشكّ ، الشكّ الجارف العاصف ؛ لأنّ الأفكار متضاربة ، فهي ـ إذن ـ في معرض الخطأ ، والإحساسات خدّاعة في كثير من الأحايين ، فهي ـ أيضاً ـ ساقطة من الحساب ، وبهذا وذاك تثور عاصفة الشكّ فتقتلع العالم المادّي والمعنوي معاً ما دام الطريق إليهما هو الفكر والإحساس .
ويؤكّد (ديكارت) على ضرورة هذا الشكّ المطلق ، ويدلّل على منطقيّته بأنّ من الجائز أن يكون الإنسان واقعاً في رحمة قوّة تهيمن على وجوده وعقله وتحاول خداعه وتضليله ، فتوحي إليه بأفكار مقلوبة عن الواقع وإدراكات خاطئة . ومهما كانت هذه الأفكار والإدراكات واضحة فلا نستطيع استبعاد هذا الفرض الذي يضطرّنا إلى اتّخاذ الشكّ مذهباً مطّرداً .
ولكن (ديكارت) يستثني حقيقة واحدة تصمد في وجه العاصفة ولا تقوى على زعزعتها تيّارات الشكّ ، وهي : (فكره) ؛ فإنّه حقيقة واقعة لا شكّ فيها ، ولا يزيدها الشكّ إلاّ ثباتاً ووضوحاً ؛ لأنّ الشكّ ليس إلاّ لوناً من ألوان الفكر ، وحتّى تلك القوّة الخدّاعة لو كان لها وجود فهي لا تستطيع أن تخدعنا في إيماننا بهذا الفكر ؛ لأنّها إنّما تخدعنا عن طريق الإيحاء بالتفكير الخاطئ إلينا ، ومعنى ذلك : أنّ التفكير حقيقة ثابتة على كلّ حال ، سواءٌ أكانت مسألة الفكر الإنساني مسألة خداع وتضليل أم مسألة فهم وتحقيق .
[١] يراجع للتفصيل : تاريخ الفلسفة الحديثة : ٦٥ ـ ٨٥ . نجيب بلدي ، ديكارت : ٨٧ ـ ١٣٢ . راوية عبد المنعم ، ديكارت والفلسفة العقليّة : ١٣١ ـ ١٧٦ .