فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠٢ - نقد المذهب التجريبي
العلوم الطبيعية فليست كذلك ؛ لأنّ قضاياها تركيبية ، أي : أنّ المحمول فيها يضيف إلى الموضوع علماً جديداً ، أي : ينبئ بجديد على أساس التجربة ، فإذا قلت : إنّ الماء يغلي تحت ضغط كذا عندما تصبح درجة حرارته مئة مثلاً ، فإنّي أفيد علماً ؛ لأنّ كلمة (ماء) لا تتضمّن كلمة (حرارة وضغط وغليان) ، ولأجل ذلك كانت القضية العلمية عرضة للخطأ والصواب .
ولكن من حقّنا أن نلاحظ على هذه المحاولة لتبرير الفرق بين الرياضيات والطبيعيات : أن اعتبار القضايا الرياضية (تحليلية) لا يفسِّر الفرق على أساس المذهب التجريبي ؛ فهب أنّ (٢ + ٢ = ٤) تعبير آخر عن قولنا : (أربعة هي أربعة) ، فإنّ هذا يعني أن هذه القضية الرياضية تتوقف على التسليم بمبدأ عدم التناقض ، وإلا فقد لا تكون الأربعة هي نفسها إذا كان التناقض ممكنّاً ، وهذا المبدأ ليس في رأي المذهب التجريبي عقلياً ضرورياً ؛ لأنه ينكر كلّ معرفة قبلية ، وإنّما هو مستمدّ من التجربة كالمبادئ التي تقوم على أساسها القضايا العلمية في الطبيعيات ، وهكذا تبقى المشكلة دون حلّ ؛ إذ ما دامت الرياضيات والعلوم الطبيعية تتوقف جميعاً على مبادئ تجريبية فلماذا تمتاز قضايا الرياضيات على غيرها باليقين الضروري المطلق ؟!
وبعد ، فلسنا نقرّ بأنّ قضايا الرياضيات كلّها (تحليلية) وامتداد لمبدأ (أن أربعة هي أربعة) ، وكيف تكون الحقيقة القائلة : إن القطر أقصر ـ دائماً ـ من المحيط قضية تحليلية ؟! فهل كان القصر أو المحيط مندمجاً في معنى القطر ؟! وهل هي تعبير آخر عن القول : بأنّ القطر هو قطر ؟!
ونخلص من هذه الدراسة إلى أنّ المذهب العقلي هو وحده المذهب الذي يستطيع أن يحل مشكلة تعليل المعرفة ويضع لها مقاييسها ومبادئها الأوّلية .