فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٠ - التجربة والمثالية
ومن البديهي : أنّ هذه المسألة تضع الحسّ التجريبي بالذات موضع الامتحان والاختبار ، فلا يمكن أن يبرهن على موضوعية التجربة والحسّ بالتجربة والحسّ نفسهما ، ولا الردّ على المثالية بها ، مع أنّها هي موضع النقاش والبحث بين الفريقين (المثاليين والواقعيين) .
فكلّ مشكلة موضوعية إنّما يمكن اعتبارها علمية ، وحلّها بأساليب العلم التجريبية ، فيما إذا كان من المعترَف به سلفاً صدق التجربة العلمية وموضوعيّتها . فمشكلة حجم القمر ، أو بُعد الشمس عن الأرض ، أو بنية الذرّة ، أو تركيب النبات ، أو عدد العناصر البسيطة ، يمكن انتهاج الطرق العلمية في دراستها وحلّها . وأمّا إذا طُرِحت نفس التجربة على بساط البحث ، وثار النقاش حول قيمتها الموضوعية ، فلا موضع للاستدلال العلمي في هذا المجال على صدق التجربة وقيمتها الموضوعية بالتجربة نفسها .
فواقعية الحسّ والتجربة ـ إذن ـ هي الأساس الذي يتوقّف عليه كيان العلوم جميعاً ، ولا تتمّ دراسة أو معالجة علمية إلاّ بناءً عليه ، فيجب أن يعالج هذا الأساس معالجة فلسفية خالصة قبل الأخذ بأيّ حقيقة علمية .
وإذا درسنا المسألة دراسة فلسفية نجد أنّ الإحساس التجريبي لا يعدو أن يكون لوناً من ألوان التصوّر ، فمجموعة التجارب مهما تنوّعت إنّما تموّن الإنسان بإدراكات حسّية متنوّعة . وقد مرّ بنا التحدّث عن الإحساسات في دراستنا للمثالية ، وقلنا : إنّها ما دامت مجرّد تصوّرات فلا تبرهن على الواقع الموضوعي ودحض المفهوم المثالي .
وإنّما يجب علينا أن ننطلق من المذهب العقلي ، لنشيد على أساسه المفهوم الواقعي للحسّ والتجربة ، فنؤمن بوجود مبادئ تصديقية ضرورية في العقل ،