فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٥ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
الطريق إلى ما وراء هذه الصورة التي نتصوّرها في مداركنا ، ولا يكفي للانتقال من المجال الذاتي إلى المجال الموضوعي ؛ لأنّ وجود صورة للمعنى في مداركنا شيء ، ووجود ذلك المعنى بصورة موضوعية ومستقلّة عنّا في الخارج شيء آخر ، ولذا قد يجعلنا الإحساس نتصوّر أموراً عديدة لا نؤمن بأنّ لها واقعاً موضوعياً مستقلاً ، فنحن نتصوّر العصا المغموسة في الماء وهي مكسورة ، ولكنّنا نعلم أنّ العصا لم تنكسر في الماء حقّاً ، وإنّما نحسّها كذلك بسبب انكسار الأشعة الضوئية في الماء . ونتصوّر الماء الدافئ حارّاً جدّاً حين نضع يدنا فيه وهي شديدة البرودة ، مع يقيننا بأنّ الحرارة التي أحسسنا بها ليس لها واقع موضوعي .
وأمّا التصديق ـ أي : القسم الآخر من الإدراك البشري ـ فهو الذي يصحّ أن يكون نقطة الانطلاق لنا من التصوّرية إلى الموضوعية ، فلنلاحظ كيف يتمّ ذلك ؟
إنّ المعرفة التصديقية عبارة عن حكم النفس بوجود حقيقة من الحقائق وراء التصوّر ، كما في قولنا : إنّ الخطّ المستقيم أقصر مسافة بين نقطتين . فإنّ معنى هذا الحكم هو: جزمنا بحقيقة وراء تصوّراتنا للخطوط المستقيمة والنقاط والمسافات ، ولذلك يختلف كلّ الاختلاف عن ألوان التصوّر الساذج ، فهو :
أوّلاً : ليس صورة لمعنى معيّن من المعاني التي يمكن أن نحسّها ونتصوّرها ، بل فعلاً نفسياً يربط بين الصور ، ولهذا لا يمكن أن يكون وارداً إلى الذهن عن طريق الإحساس ، وإنّما هو من الفعاليات الباطنية للنفس المدرِكة .
ثانياً : يملك خاصّة ذاتية لم تكن موجودة في شيء من ألوان التصوّر وأقسامه ، وهي : خاصّة الكشف عن واقع وراء حدود الإدراك ، ولذلك كان من الممكن أن تتصوّر شيئاً وأن تحسّ به ولا تؤمن بوجوده في واقع وراء الإدراك والشعور ، ولكن ليس من المعقول أن تكون لديك معرفة تصديقية ـ أي : أن تصدّق بأنّ الخطّ المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين ـ وتشكّ مع ذلك في