فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٦٣ - مناقشتان حول هذا القانون
إلى علّة ـ طبقاً لمبدأ العلّية ـ دون استثناء ، فالموجودات جميعاً تصبح بحاجة إلى علّة .
ويبقى سؤال : (لماذا ؟) ـ هذا السؤال الضروري ـ منصّباً على الوجود بصورة عامة ، ولا يمكن أن نتخلّص من هذا السؤال إلاّ بافتراض سبب أوّل متحرّر من مبدأ العلّية ؛ فإنّنا ـ حينئذٍ ـ ننتهي في تعليل الأشياء إليه ، ولا نواجه فيه سؤال : لماذا وجد ؟ لأنّ هذا السؤال إنّما نواجهه في الأشياء الخاضعة لمبدأ العلّية خاصّة .
فلنأخذ الغليان مثلاً ، فهو ظاهرة طبيعية محتاجة إلى سبب ، طبقاً لمبدأ العلّية ، ونعتبر سخونة الماء سبباً لها ، وهذه السخونة هي كالغليان في افتقارها إلى علّة سابقة . وإذا أخذنا الغليان والسخونة كحلقتين في سلسلة الوجود ، أو في تسلسل العلل والأسباب ، وجدنا من الضروري أن نضع للسلسلة حلقة أخرى ؛ لأنّ كلاً من الحلقتين بحاجة إلى سبب ، فلا يمكنهما الاستغناء عن حلقة ثالثة ، والحلقات الثلاث تواجه بمجموعها نفس المسألة ، وتفتقر إلى مبرّر لوجودها ما دامت كلّ واحدة منها خاضعة لمبدأ العلّية . وهذا هو شأن السلسلة دائماً وأبداً ولو احتوت على حلقات غير متناهية . فما دامت حلقاتها جميعاً محتاجة إلى علّة ، فالسلسلة بمجموعها مفتقرة إلى سبب ، وسؤال (لماذا وجد ؟) يمتدّ ما امتدّت حلقاتها ، ولا يمكن تقديم الجواب الحاسم عليه ما لم ينته التسلسل فيها إلى حلقة غنية بذاتها غير محتاجة إلى علّة ، فتقطع التسلسل ، وتضع للسلسلة بدايتها الأزليّة الأُولى [١] .
وإلى هنا نكون قد جمعنا ما يكفي للبرهنة على انبثاق هذا العالم عن واجب
[١] وبالتعبير الفلسفي الدقيق : أنّ الشيء لا يوجد إلاّ إذا امتنع عليه جميع أنحاء العدم ، ومن جملة أنحاء العدم ، عدمه بعدم جميع أسبابه ، وهذا لا يمتنع إلاّ إذا كان يوجد في جملة أسبابه واجب بالذات . (المؤلّف قُدِّسَ سِرُّه)