فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٧٠ - محاولات الماركسيّة للاستدلال على ديالكتيك الفكر
الميتافيزيقيين إذا كوّنوا مفهوماً عن الطبيعة في مرحلة من مراحلها جمّدوا أفكارهم ، وأوقفوا بحوثهم ، واعتبروا ذلك المفهوم كافياً لاستكناه أسرار الطبيعة في شتّى مراحلها ، فإنّا لا نعرف عاقلاً يكتفي ـ مثلاً ـ بالمفهوم العلمي الذي يكوّنه عن البويض ، فلا يتابع سير الكائن الحيّ في المرحلة الثانية ، ويكتفي بما كوّنه من المفهوم العلمي عنه في تلك المرحلة المعيّنة .
فنحن ـ إذن ـ نؤمن بتطوّر الطبيعة ، ونرى من الضروري دراستها في كلّ دور من أدوار نموّها وحركتها ، وتكوين مفهوم عنه ، وليس هذا من مختصّات الديالكتيك . وإنّما الذي يرفضه التفكير الميتافيزيقي هو : وجود حركة ديناميكية طبيعية في كلّ مفهوم ذهني . فالميتافيزيقية تطالب بالتمييز بين البويض ، ومفهومنا العلمي عنه : فالبويض يتطوّر وينمو طبيعياً ، فيغدو نطفة ثمّ جنيناً . وأمّا مفهومنا الذهني عنه ، فهو مفهوم ثابت لا يمكن أن ينمو ويصير نطفة في حال من الأحوال ، وإنّما يجب لأجل معرفة (ما هي النطفة ؟) أن نكوّن مفهوماً آخر على ضوء مراقبة البويض في مرحلة جديدة . فمثل التفكير في ذلك كمثل الشريط السينمائي الذي يلتقط عدداً من الصور المتلاحقة ، فليست الصورة الأُولى في الشريط هي التي تتطوّر وتتحرّك ، وإنّما التتابع بين الصور هو الذي يشكّل الشريط السينمائي .
وعلى هذا فالإدراك البشري لا يعكس الواقع ، إلاّ كما يعكس الشريط ألوان الحركة والنشاط التي يحفل بها الفيلم السينمائي . فالإدراك لا يتطوّر ولا ينمو ديالكتيكياً تبعاً للواقع المنعكس ، وإنّما يجب تكون إدراك ثابت في كلّ مرحلة من مراحل الواقع .
ولنأخذ مثالاً آخر من عنصر (اليورانيوم) الذي يشعّ بأشعّة (ألفا) و (بيتا) و (جاما) ، ويتحوّل بالتدريج إلى عنصر آخر أخفّ منه في وزنه الذرّي ، وهو : عنصر (الراديوم) الذي يتحوّل بدوره وبالتدريج إلى عنصر أخفّ منه ، ويمرّ في