فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٧١ - محاولات الماركسيّة للاستدلال على ديالكتيك الفكر
أدوار حتّى ينتهي إلى (الرصاص) . فهذا واقع موضوعي يشرحه العلم ، ونكوّن على ضوئه مفهومنا الخاصّ عنه ، فماذا تعني الماركسية بتطوّر المفهوم الذهني أو (الحقيقة) ديالكتيكياً طبقاً لتطوّر الواقع ؟ فإن كانت تعني بذلك : أنّ نفس مفهومنا العلمي عن (اليورانيوم) يتطوّر تطوّراً ديالكتيكياً وطبيعياً تبعاً لتطوّر اليورانيوم نفسه ، فيشعّ أشعّته الخاصّة ، ويتحوّل في نهاية المطاف إلى رصاص ، فهذا أقرب إلى حديث الظرف والفكاهة منه إلى الحديث الفلسفي المعقول .
وإن أرادت الماركسية : أنّ الإنسان يجب أن لا ينظر إلى اليورانيوم كعنصر جامد لا يتحرّك ، بل يتابع سيره وحركته ، ويكوّن مفهوماً عنه في كلّ مرحلة من مراحله ، فليس في ذلك موضع للنقاش ، ولا يعني حركة ديالكتيكية في الحقائق والمفاهيم ؛ فإنّ كلّ مفهوم نكوّنه عن مرحلة معيّنة من مراحل تطوّر اليورانيوم ، ثابت ولا يتطوّر ديالكتيكياً إلى مفهوم آخر ، وإنّما يضاف إليه مفهوم جديد . وفي نهاية المطاف نملك عدّة من المفاهيم والحقائق الثابتة ، يصوّر كلّ منها درجة خاصّة من الواقع الموضوعي ، فأين الجدل والديالكتيك في الفكر ؟! وأين ذلك المفهوم الذي يتطوّر طبيعياً تبعاً لتطوّر الواقع الخارجي ؟!
هذا كلّ ما يتّصل بالمحاولة الماركسية الأُولى وتفنيدها .
المحاولة الثانية : التي اتّخذتها الماركسية للتدليل على ديالكتيك الفكر وتطوّره هي : أنّ الفكر أو الإدراك ظاهرة من ظواهر الطبيعة ، ونتاج عالٍ للمادّة ، وبالتالي جزء من الطبيعة ، فتحكمه نفس القوانين التي تسيطر على الطبيعة ، ويتحرّك وينمو ديالكتيكياً ، كما تتحرّك وتنمو جميع ظواهر الطبيعة .
ويلزمنا أن ننبّه على أنّ هذا الدليل يختلف عن الدليل السابق : ففي المحاولة السابقة كانت الماركسية تبرهن على وجود الحركة في الفكر عن طريق كونه انعكاساً للواقع المتحرّك ، والانعكاس لا يحصل بصورة تامّة إذا لم ينعكس