فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣١١ - الهدف السياسي من الحركة التناقضية
منها . ولكن ليس معنى ذلك : أنّ من الضروري ـ دائماً وفي جميع المجالات ـ أن يقفز التطوّر في مراحل معيّنة ؛ ليكون تطوّراً كيفياً . ولا تكفي عدّة أمثلة للتدليل العلمي أو الفلسفي على حتمية هذه القفزات في تاريخ التطوّر ، وخصوصاً حين تنتقيها الماركسية انتقاءً ، وتهمل الأمثلة التي كانت تستعملها لإيضاح قانون آخر من قوانين الديالكتيك ، لا لشيء إلاّ لأنّها لا تتّفق مع هذا القانون الجديد . فقد كانت الماركسية تمثّل لتناقضات التطوّر بالجرثومة الحيّة في داخل البيضة التي تجنح إلى أن تكون فرخاً [١] ، وبالبذرة التي تنطوي على نقيضها ، فتتطوّر بسبب الصراع في محتواها الداخلي ، فتكون شجرة .
أفليس من حقّنا أن نطالب الماركسية بإعادة النظر في هذه الأمثلة ؛ لكي نعرف كيف تستطيع أن تشرح لنا قفزات التطوّر فيها . فهل صيرورة البذرة شجرة ، أو الجرثومة فرخاً (تطوّر تز إلى آنتي تز) ، أو صيرورة الفرخ دجاجة (تطوّر آنتي تز إلى سنتز) ، تتأتّى بقفزة من قفزات التطوّر الديالكتيكية ، فتتحوّل الجرثومة في آن واحد إلى فرخ ، والفرخ إلى دجاجة ، والبذرة إلى شجرة ، وأنّ هذه الصيرورات تحصل بحركة تدريجية متصاعدة ؟ وحتّى في الموادّ الكيماوية القابلة للانصهار نجد اللونين من التطوّر معاً ، فكما يحصل فيها التطوّر بقفزة ، كذلك قد يحصل بصورة تدريجية . فنحن نعلم ـ مثلاً ـ أنّ المواد المتبلورة تتحوّل من حالة الصلابة إلى حالة السيولة بصورة فجائية ، كالجليد الذي تساوي حرارة انصهاره [٨٠] سعرة ، فتتحوّل عند ذاك دفعة واحدة إلى سائل . وعلى عكس ذلك المواد غير المتبلورة ، كالزجاج وشمع العسل ؛ فإنّها لا تنصهر ولا تتحوّل كيفياً بصورة دفعية ، وإنّما يتمّ انصهارها تدريجياً . فالشمع ـ مثلاً ـ ترتفع حرارته أثناء
[١] هذه هي الديالكتيكية : مبادئ الفلسفة الأوّلية ؛ لجورج بوليتزر : ١٠ .