فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٦٨ - محاولات الماركسيّة للاستدلال على ديالكتيك الفكر
يدرسه من وجهة نظر تاريخية ، من حيث هو عملية نموّ تطوّرية ، إنّه يطابق التاريخ العامّ للمعرفة ، يطابق تاريخ العلوم) [١] .
ولا ريب أنّ الفكر والإدراك يصوّر الواقع الموضوعي لوناً من ألوان التصوير ، ولكن هذا لا يعني أن تنعكس فيه حركة الواقع الموضوعي ، فينمو ويتحرّك تبعاً له ؛ وذلك :
أوّلاً : أنّ عالم الطبيعة ـ عالم التغيّر والتجدّد والحركة ـ يحتوي حتماً على قوانين عامّة ثابتة ، وهذا ما لا يمكن لأيّ منطق إنكاره ، إلاّ إذا أنكر نفسه ؛ لأنّ المنطق لا يمكن أن يكون منطقاً إلاّ إذا أقام طريقته في التفكير وفهم العالم على قوانين معيّنة ثابتة ، وحتّى الديالكتيك يعتبر عدّة قوانين تسيطر على الطبيعة وتتحكّم فيها بصورة دائمة ، ومنها قانون الحركة . فعالم الطبيعة ـ إذن ـ سواءٌ صحٌ عليه المنطق البشري العامّ ، أم منطق الديالكتيك والجدل ، توجد فيه قوانين ثابتة تعكس حقائق ثابتة في دنيا الفكر وحقل المعرفة البشرية .
والديالكتيكيون إزاء هذا الاعتراض بين أمرين : إمّا أن يعتبروا قانون الحركة ثابتاً ودائماً ، فقد وجدت الحقيقة الدائمة إذن . وإمّا أن يكون نفس هذا القانون متغيّراً ، فمعنى هذا : أنّ الحركة ليست دائمة ، وأنّها قد تتبدّل إلى ثبات ، وتعود الحقائق ثابتة بعد أن كانت متحرّكة . وعلى كلا الحالين يكون الديالكتيك مرغماً على الاعتراف بوجود حقيقة ثابتة .
ثانياً : أنّ الفكر أو الإدراك أو الحقيقة لا تعكس الخصائص الواقعية للطبيعة ، فقد سبق أن أوضحنا في (نظرية المعرفة) أنّ الذهن البشري يدرِك من
[١] المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي : ١٢ .