فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧٨ - التصوّر ومصدره الأساسي
تصوّرات جديدة على ضوء التصوّرات المستوردة من الحسّ .
ويمكننا أن نوضِّح فشل النظرية الحسّية في محاولة إرجاع جميع مفاهيم التصوّر البشري إلى الحسّ ، على ضوء دراسة عدّة من مفاهيم الذهن البشري كالمفاهيم التالية : العلّة والمعلول ، الجوهر والعرض ، لإمكان والوجوب ، الوحدة والكثرة ، الوجود والعدم ، وما إلى ذلك من مفاهيم وتصوّرات .
فنحن جميعاً نعلم أنّ الحسّ إنّما يقع على ذات العلّة وذات المعلول ، فندرك ببصرنا سقوط القلم على الأرض إذا سُحِبت من تحته المنضدة التي وضع عليها ، وندرك باللمس حرارة الماء حين يوضع على النار ، وكذلك ندرك تمدّد الفلزّات في جوّ حار . ففي هذه الأمثلة نحسّ بظاهرتين متعاقبتين ، ولا نحسّ بصلة خاصّة بينهما ، هذه الصلة التي نسمّيها بالعلّية ، ونعني بها : تأثير إحدى الظاهرتين في الأُخرى ، وحاجة الظاهرة الأخرى إليها لأجل أن توجد .
والمحاولات التي ترمي إلى تعميم الحسّ لنفس العلّية واعتبارها مبدأ حسّياً تقوم على تجنّب العمق والدقّة في معرفة ميدان الحسّ وما يتّسع له من معاني وحدود . فمهما نادى الحسّيون بأنّ التجارب البشرية والعلوم التجريبية القائمة على الحسّ هي التي توضّح مبدأ العلّية ، وتجعلنا نحسّ بصدور ظواهر مادّية معيّنة من ظواهر أخرى مماثلة ، أقول : مهما نادوا بذلك فلن يحالفهم التوفيق ما دمنا نعلم أن التجربة العلمية لا يمكن أن تكشف بالحسّ إلاّ الظواهر المتعاقبة ، فنستطيع بوضع الماء على النار أن ندرك حرارة الماء وتضاعف هذه الحرارة ، وأخيراً نحسّ بغليان الماء . وأمّا أنّ هذا الغليان منبثق عن بلوغ الحرارة درجة معيّنة ، فهذا ما لا يوضّحه الجانب الحسّي من التجربة ، وإذا كانت تجاربنا الحسّية قاصرة عن كشف مفهوم العلّية فكيف نشأ هذا المفهوم في الذهن البشري ،