فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٢٨ - نقطتان حول الارتباط العامّ
أفراد النوع القديم من ميزات وخصائص عن طريق صدفة ميكانيكية أو أسباب خارجية محدّدة ، كالبيئة والمحيط ، وكلّ ميزة يحصل عليها الفرد تظلّ ثابتة فيه ، وتنتقل بالوراثة إلى أبنائه ، وبذلك ينشأ جيل قوي بفضل هذه الميزات المكتسبة . وفي خضمّ الصراع في سبيل القوت والبقاء بين الأقوياء من هذا الجيل ، وبين الضعاف من أفراد النوع الذين لم يظفروا بمثل تلك الميزات ، يعمل قانون تنازع البقاء عمله ، فيفنى الضعيف ويبقى الأفراد الأقوياء ، وتتجمّع المزايا عن طريق توريث كلّ جيل مزاياه التي حصل عليها بسبب ظروفه وبيئته التي عاشها للجيل الذي يتلوه ، وهكذا حتّى ينشأ نوع جديد يتمتّع بمجموع المزايا التي اكتسبها أسلافه على مرّ الزمن .
ونحن نستطيع أن ندرك بوضوح مدى التناقض بين نظرية داروين هذه ، وبين الطريقة الديالكتيكية العامة .
فهناك الطابع الميكانيكي للنظرية يبدو بوضوح من خلال تفسير داروين لتطوّر الحيوان بأسباب خارجية ، فالميزات والفروق الفردية التي يحصل عليها الجيل القوي من أفراد النوع ليست نتيجة لعملية تطوّرية ولا ثمرة لتناقض داخلي ، وإنّما هي وليدة مصادفة ميكانيكية أو عوامل خارجية من البيئة والمحيط ، فالظروف الموضوعية التي عاشها الأفراد الأقوياء هي التي أمّدتهم بعناصر قوّتهم وميّزتهم عن الآخرين لا الصراع الداخلي في الأعماق كما يفترض الديالكتيك .
كما أنّ الميزة التي يحصل عليها الفرد بطريقة ميكانيكية ـ أي : بأسباب خارجية من الظروف التي يعيشها ـ لا تتطوّر بحركة ديناميكية وتنمو بتناقض داخلي حتّى تُحوّل الحيوان إلى نوع جديد ، وإنّما تظلّ ثابتة ، وتنتقل بالوراثة دون أن تتطوّر ، وتبقى بشكل تغيّر بسيط ساكن ، ثمّ تضاف إلى الميزة السابقة ميزة أخرى تتولّد هي الأخرى ـ أيضاً ـ ميكانيكياً بسبب الظروف الموضوعية ،