فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٧٥ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
مجموع المنبّهات (الطبيعية والشرطية) يتكافأ مع مجموع الأفكار في حياة الإنسان [١] .
وأمّا كيف استفادت السلوكية من تجارب (بافلوف) ، وما هي المنبّهات الشرطية التي كشفت عنها هذه التجارب فضاعفت من عدد المنبّهات التي تفسِّر السلوكية في ضوئها أفكار الإنسان ، وإلى أيّ مدى يمكن لتجارب (بافلوف) أن تبرهن على وجهة النظر السلوكية ، فهذا ما سنجيب عنه في البحث المخصّص للإدراك من بحوث هذا الكتاب ، وهو الجزء الخامس من القسم الثاني في هذا الكتاب ، وإنّما يهمّنا الآن إبراز وجهة النظر السلوكية التي تُخضِع الحياة الفكرية عند الإنسان للتفسير الميكانيكي ، وتفهم الفكر والشعور بوصفه نشاطاً فيزيولوجياً تثيره أسباب مادّية متنوّعة .
ومن الواضح : أنّ أيّ محاولة لوضع نظرية للمعرفة في ضوء السلوكية هذه ، يؤدّي حتماً إلى موقف سلبي تجاه قيمة المعرفة وإلى عدم الاعتراف بقيمتها الموضوعية ، وبالتالي يصبح كلّ بحث عن صحة هذه الفكرة العلمية أو هذا المذهب الفلسفي أو ذلك الرأي الاجتماعي عبثاً لا مبرّر له ؛ لأنّ كلّ فكرة (مهما كان طابعها أو مجالها العلمي أو الفلسفي أو الاجتماعي) لا تعبّر عن شيء سوى حالات خاصّة تحدث في أجسام أصحاب الفكرة أنفسهم .
فلا نستطيع أن نتساءل على الصعيد الفلسفي أيّ الفلسفتين على صواب : مادّية أبيقور ، أو إلهية أرسطو ؟ ولا أن نتساءل على الصعيد العلمي أيّهما على صواب : نيوتن في فكرته القائلة بتفسير الكون على أساس الجاذبية ، أو آنشتين في نسبيّته العامّة ؟ ماركس في تفكيره الاقتصادي ، أو ريكاردو مثلاً ؟ وهكذا في كلّ المجالات ؛ لأنّ تساؤلنا هذا يبدو في ضوء السلوكية شبيهاً تماماً بالتساؤل عن
[١] راجع : علي زيعور ، مذاهب علم النفس المعاصر : ١٨٦ ـ ٢٠٣ .