فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٧٧ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
ولا يمكن لنا السيطرة على نشاطها أو التحكّم في تكوينها وتطوّرها ، وكلّ العناصر الشعورية تعتمد على هذه العناصر الخفيّة التي لا نشعر بها ، وليست أعمال الشخص الشعورية إلاّ انعكاساً محرّفاً لتلك الشهوات والدوافع المختزلة في اللاّشعور ، فالشعور ـ إذن ـ أتى عن طريق اللاّشعور ، حتّى يمكن القول لدى أصحاب التحليل النفسي : بأنّ اللاّشعور هو الذي يحدّد محتويات الشعور ، وبالتالي يتحكّم في كلّ أفكار الإنسان وسلوكه . وعلى هذا الأساس تصبح شهواتنا الغريزية هي الأساس الحقيقي لما نعتقد بصحّته ، وليست عمليات الاستدلال التي تهدينا إلى النتائج المفروضة علينا سلفاً من قِبل شهواتنا وغرائزنا إلاّ إعلاءً لتلك الغرائز وتسامياً بها إلى منطقة الشعور التي تشكّل القسم الأعلى من العقل ، بينما تشكّل العناصر اللاّشعورية والغرائز والشهوات المختزنة الطابق الأرضي أو القسم الأسفل الأساسي [١] .
وبسهولة نستطيع أن ندرك أثر هذا المذهب التحليلي على نظرية المعرفة ؛ فإنّ الفكر في ضوئه ليس أداة لتصوير الواقع والحدس بالحقيقة ، وإنّما وظيفته التعبير عن متطلّبات اللاّشعور ، والانتهاء حتماً إلى النتائج التي تفرضها شهواتنا وغرائزنا المختزنة في أعماقنا . وما دام العقل آلة طيّعة في خدمة غرائزنا والتعبير عنها ، لا عن الحقيقة والواقع ، فليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّه يعكس الحقيقة ؛ لأنّ من الجائز أن تكون الحقيقة على خلاف رغباتنا اللاّشعورية التي تتحكّم في عقلنا ، ومن المستحيل أن نفكّر في تقديم أيّ ضمان للتوافق بين قوانا
[١] راجع : اوسبورن ، الماركسيّة والتحليل النفسي ، ترجمة سعاد الشرقاوي ، ص ٤٢ ـ ٥٠ . ركس نابت ومرجريت نايت ، المدخل إلى علم النفس الحديث ، ترجمة : عبد علي الجسماني ، ص ٣٤٩ و ٣٦٠ . مذاهب علم النفس المعاصر : ٢٢٢ ـ ٢٤٩ .