فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٧ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
إلى الواقع الموضوعي عن طريق أفكارنا ما دمنا قد اعترفنا بأنّها لا تملك كشفاً ذاتياً عن ذلك الواقع .
ولأجل أن نجيب على هذا الدليل يلزمنا أن نعرف ما هو معنى الكشف الذاتي للعلم ؟ إنّ الكشف الذاتي للعلم معناه : أن يرينا متعلّقه ثابتاً في الواقع الخارج عن حدود إدراكنا وشعورنا : فعلمنا بأنّ الشمس طالعة وأنّ المثلّث غير المربّع يجعلنا نرى طلوع الشمس ومغايرة المثلّث للمربّع ثابتين في واقع مستقلّ عنّا ، فهو يقوم بدور المرآة ، وإراءته لنا ذلك هي كشفه الذاتي ، وليس معنى هذه الإراءة : أنّ طلوع الشمس موجود في الخارج حقّاً ، وأنّ مغايرة المثلّث للمربّع ثابتة في الواقع ؛ فإنّ كون الشيء ثابتاً في الواقع غير كونه مرئياً كذلك ، وبذلك نعرف أنّ الكشف الذاتي للعلم لا يتخلّف عنه حتّى في موارد الخطأ والاشتباه ، فإنّ علم القدماء بأنّ الشمس تدور حول الأرض كان له من الكشف الذاتي بمقدار ما لعلمنا بدوران الأرض حول الشمس من كشف ، بمعنى : أنّهم كانوا يرون دوران الشمس حول الأرض أمراً ثابتاً في الواقع بصورة مستقلّة عنهم ، فوجود هذا الدوران بصورة موضوعية كان مرئياً لهم ، أي : أنّهم كانوا يصدِّقون بذلك وإن لم يكن ثابتاً في الواقع [١] .
فالإنسان بطبيعته ـ إذن ـ يخرج من التصوّرية إلى الموضوعية بالعلم
[١] وبالتعبير الفلسفي المصطلح : أنّ التضايف القائم بين الكاشف وهو العلم ، والمنكشف بالعرض وهو الشيء الخارج عن حدود العلم ، ليس ثابتاً بين وجود الكاشف ووجود المنكشف بالعرض ، ليمتنع انفكاك أحدهما عن الآخر ، وإنّما هو بين الكاشفية الذاتية للعلم والمنكشفية بالعرض للشيء الخارج عن حدود العلم ، ومن الواضح : أنّ الأمرين متلازمان ولا يمكن انفكاكهما مطلقاً . (المؤلّف قُدِّسَ سِرُّه)