فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٩ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
قد يقع فيها الخطأ .
فنحن ـ إذن ـ مهما شككنا ، لا نستطيع أن نشكّ في تلك القاعدة ؛ لأنّها مضمونة الصدق بصورة ضرورية .
ونريد أن نتبيّن الآن ما إذا كان في وسع الفيلسوف المثالي (باركلي) أن ينكر تلك القاعدة المضمونة ، ولا يقرّ بوجود معارف ضرورية فوق الخطأ والاشتباه أو لا ؟
ولا شكّ في أنّ الجواب هو النفي ؛ فإنّه مضطرّ إلى الاعتراف بوجود معارف مضمونة الصدق ما دام قد حاول الاستدلال على مثاليّته بالأدلّة السابقة ؛ فإنّ الإنسان لا يمكنه أن يستدلّ على شيء ما لم يركّز استدلاله على أصول وقواعد مضمونة الصدق عنده ، ونحن إذا لاحظنا أدلّة (باركلي) وجدناه مضطرّاً إلى الاعتراف :
أوّلاً ـ بمبدأ عدم التناقض الذي ارتكز عليه الدليل الأوّل ؛ فإنّ التناقض إذا كان ممكناً فلا يصحّ أن يستنتج من تناقض الإحساسات عدم موضوعيتها .
وثانياً ـ بمبدأ العلّية والضرورة ، فهو لو لم يكن يعترف بهذا المبدأ لكان استدلاله عبثاً ؛ لأنّ الإنسان إنّما يقيم دليلاً على رأيه لإيمانه بأنّ الدليل علّة ضرورية للعلم بصحّة ذلك الرأي . فإذا لم يكن يعتقد بمبدأ العلّية والضرورة جاز أن يكون الدليل صحيحاً ، ومع ذلك لا يثبت به الرأي المطلوب .
وإذا ثبت وجود معارف مضمونة الصدق في التفكير البشري ، فلا شكّ في أنّ من تلك المعارف معرفتنا بوجود العالم الموضوعي المستقلّ عنّا ؛ فإنّ العقل يجد نفسه مضطرّاً إلى التصديق بوجود عالم خارجي على سبيل الإجمال ورفض كلّ شكّ في ذلك ، مهما وقعت من مفارقات بين حسّه والواقع ، أو بين فكره والحقيقة ، بل يُعدّ التشكيك في وجود العالم المستقلّ ضرباً من الجنون . ونخلص