فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٦ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
وجود حقيقية موضوعية يحكي عنها إدراكك وشعورك .
وهكذا يتّضح : أنّ المعرفة التصديقية هي وحدها التي يمكن أن تردّ على حجّة (باركلي) القائلة : إنّا لا نتّصل بالواقع مباشرة ، وإنّما نتّصل بأفكارنا ، فلا وجود إلاّ لأفكارنا . فالنفس وإن كانت لا تتّصل مباشرة إلاّ بإدراكاتها ، إلاّ أنّ هناك لوناً من الإدراك يكشف بطبيعته كشفاً ذاتياً عن شيء خارج حدود الإدراك ، وهو : الحكم ، أي : المعرفة التصديقية . فحجّة (باركلي) كانت تقوم على الخلط بين التصوّر والتصديق ، وعدم إدراك الفوارق الأساسية بينهما .
وعلى هذا الضوء نتبيّن أنّ المذهب التجريبي والنظرية الحسّية يؤدّيان إلى النزعة المثالية ، فهما مضطرّان إلى قبول الحجّة التي قدّمها (باركلي) ؛ لأنّ النفس البشرية بمقتضى هذين المبدأين لا تملك إدراكاً ضرورياً أو فطرياً مطلقاً ، وإنّما تنشأ إدراكاتها جميعاً من الحسّ وترتكز معارفها عليه ، والحسّ ليس إلاّ لوناً من ألوان التصوّر ، فمهما كثر وتنوّع لا يعدو حدوده التصوّرية ، ولا يمكن أن يخطو به الإنسان إلى الموضوعية خطوة واحدة .
الدليل الثالث : أنّ الإدراكات والمعارف البشرية إذا كانت لها خاصّة الكشف الذاتي عن مجال وراء حدودها ، وجب أن تكون جميع العلوم والمعارف صحيحة ؛ لأنّها كاشفة بحكم طبيعتها وذاتها ، والشيء لا يتخلّى عن وصفه الذاتي ، مع أنّ جميع مفكّري البشرية يعترفون بأنّ كثيراً من المعلومات والأحكام التي لدى الناس هي إدراكات خاطئة ولا تكشف شيئاً من الواقع ، بل قد يجمع العلماء على الاعتقاد بنظرية ما ويتجلّى بعد ذلك بكلّ وضوح أنّها ليست صحيحة ، فكيف يُفهَم هذا على ضوء ما تزعمه الفلسفة الواقعية : من أنّ العلم يتمتّع بالكشف الذاتي ؟! وهل لهذه الفلسفة من مهرب إلاّ التنازل عن منح العلم هذه الصفة ؟! وإذا تنازلت عن ذلك كانت المثالية أمراً محتماً ؛ لأنّا لا نستطيع أن نصل ـ حينئذٍ ـ