فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٤ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
ويبقى علينا بعد هذا أن نوضّح سرّ المغالطة في هذا الدليل ، لنفهم السبب في عدم حصول القناعة الواقعية به حتّى لـ (باركلي) نفسه .
وفي هذا الصدد يلزمنا أن نستذكر ما عرفناه في الجزء الأوّل من المسألة (المصدر الأساسي للمعرفة) : من انقسام الإدراك البشري إلى قسمين رئيسيين ، وهما : التصديق والتصوّر ، وأن نعرف للتصديق ميزته الأساسية على التصوّر ، هذه الميزة التي تجعل من المعرفة التصديقية همزة الوصل بيننا وبين العالم الخارجي .
وإيضاح ذلك : أنّ التصوّر عبارة عن وجود صورة لمعنىً من المعاني في مداركنا الخاصّة ، فقد توجد الصورة في حواسّنا فيكون وجودها كذلك مكوّناً للإحساس بها ، وقد توجد الصورة في مخيلتنا فيحصل بذلك التخيّل ، وقد توجد الصورة بمعناها التجريدي العامّ في الذهن ويسمّى وجودها هذا تعقّلاً . فالإحساس والتخيّل والتعقّل ألوان من التصوّر وأنحاء لوجود صور الأشياء في المدارك البشرية : فنحن نتصوّر التّفاحة على الشجرة بالإحساس بها عن طريق الرؤية ، ومعنى إحساسنا بها : وجود صورتها في حواسّنا ، ونحتفظ بعد ذلك بهذه الصورة بعد انصرافنا عن الشجرة في ذهننا ، وهذا الوجود هو التخيّل ، ويمكننا بعد ذلك أن نسقط من الصورة الخصائص التي تمتاز بها عن التفاحات الأخرى ونستبقي المعنى العامّ منها ، أي : معنى التّفاحة بصفة كلّية ، وهذه الصورة الكلّية هي : التعقّل.
فهذه مراحل ثلاثة من التصوّر يجتازها الإدراك البشري ، وهو لا يعبّر في كلّ مرحلة إلاّ عن وجود صورة في بعض مداركنا ، فالتصوّر بصفة عامّة لا يعدو أن يكون وجوداً لصورة شيء ما في مداركنا ، سواءٌ أكان تصوّراً واضحاً جليّاً كالإحساس ، أم باهتاً وضئيلاً كالتخيّل والتعقّل ، وهو لذلك لا يمكن أن يشقّ لنا