فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٤٢ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
لنا في إدراكنا وحواسّنا . وإذا ميّزنا بينهما استطعنا أن نعرف أنّ تناقض الإحساسات لا يمكن أن يتّخذ برهاناً على عدم وجود واقع موضوعي ـ كما حاول باركلي ـ وإنّما يدلّ على عدم التكافؤ بين المعنى المدرَك بالحسّ ، والواقع الموضوعي في الخارج ، أي : أنّ الإحساس لا يجب أن يكون مطابقاً كلّ المطابقة للأشياء الخارجية . وهذا شيء غير ما حاوله (باركلي) من إنكار موضوعية الإحساس ، فنحن حين نغمس يدينا بالماء فتحسّ إحداهما بالحرارة وتحسّ الأخرى بالبرودة ، لا نضطرّ ـ لأجل استبعاد التناقض ـ أن ننكر موضوعية الإحساس بصورة مطلقة ، بل يمكننا أن نفسِّر التناقض على وجه آخر ، وهو : أنّ إحساساتنا عبارة عن انفعالات نفسية بالأشياء الخارجية ، فلا بدّ من شيء خارجي حينما نحسّ وننفعل ، ولكن ليس من الضروري تكافؤ الإحساس مع الواقع الموضوعي ؛ لأنّ الإحساس لمّا كان انفعالاً ذاتياً فهو لا يتجرّد عن الناحية الذاتية . ويمكننا على هذا الأساس أن نحكم فوراً في شأن الماء الذي افترضه (باركلي) بأنّه ماء دافئ ليس ساخناً ولا بارداً ، وأنّ هذا الدفء هو الواقع الموضوعي الذي أثار فينا الإحساسين المتناقضين ، وقد تناقض الإحساسان بسبب الناحية الذاتية التي نضيفها على الأشياء حين ندركها وننفعل بها .
الدليل الثاني : أنّ الاعتقاد بوجود الأشياء خارج روحنا وتصوّرنا إنّما يقوم على أساس أنّنا نراها ونلمسها ، أي : أنّنا نعتقد بوجودها ؛ لأنّها تعطينا إحساسات ما ، إلاّ أنّ إحساساتنا ليست سوى أفكار تحتويها أرواحنا ، وإذن فالأشياء التي تدركها حواسّنا ليست سوى أفكار ، والأفكار لا يمكن أن توجد خارج روحنا .
و (باركلي) في هذا الدليل يحاول أن يجعل مسألة الإيمان بالواقع الموضوعي للأشياء متوقّفة على الاتّصال بذلك الواقع بصورة مباشرة ، وما دام