فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٠١ - نقد المذهب التجريبي
التجريبيون بعد ذلك أن ينكروا ذلك المقياس ليبطلوا علينا فلسفتنا ، فهم ينسفون بذلك الأسس التي تقوم عليها العلوم الطبيعية ، ولا تثمر بدونها التجارب الحسّية شيئاً .
وفي ضوء المذهب العقلي نستطيع أن نفسّر صفة الضرورة واليقين المطلق التي تمتاز بها الرياضيات على قضايا العلم الطبيعي ؛ فإن مرد هذا الامتياز إلى إن القوانين والحقائق الرياضية الضرورية تستند إلى مبادئ العقل الأولي ، ولا تتوقف على مستكشفات التجربة ، وعلى العكس من ذلك قضايا العلم ؛ فإن تمدُّد الحديد بالحرارة ليس من المعطيات المباشرة لتلك المبادئ ، وإنّما يرتكز على معطيات التجربة ، فالطابع العقلي الصارم هو سر الضرورة واليقين المطلق في تلك الحقائق الرياضية .
وأمّا إذا درسنا الفارق بين الرياضيات والطبيعيات في ضوء المذهب التجريبي ، فسوف لن نجد مبرراً حاسماً لهذا الفرق ما دامت التجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة العلمية في كلا الميدانين .
وقد حاول بعض أنصار المذهب التجريبي [١] تفسير الفرق على أساسه المذهبي ، عن طريق القول : بأنّ قضايا الرياضيات تحليلية ليس من شأنها أن تأتي بجديد ، فعندما نقول : (٢ + ٢ = ٤) ، لم نتحدّث بشيء جديد لنفحص درجة يقيننا به ؛ فإن الأربعة هي نفسها تعبير آخر عن (٢ + ٢) ، فالعملية الرياضية الآنفة الذكر ـ في تعبير صريح ـ ليست إلاّ : (إن أربعة تساوي أربعة) ، وكل قضايا الرياضيات امتداد لهذا التحليل ، ولكنّه امتداد يتفاوت في درجة تعقيده . وأمّا
[١] يراجع للتفصيل : الأسس المنطقيّة للاستقراء ، مبحث : هل توجد معرفة عقليّة قبليّة ؟ عند بيان موقف المنطق الوضعي من الفروق المطروحة بين الرياضيّات والطبيعيّات .