فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٣١ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
وتكوّن هذه الحقيقة في فلسفة (ديكارت) حجر الزاوية ونقطة الانطلاق لليقين الفلسفي ، الذي حاول أن يخرج به من التصوّر إلى الوجود ، ومن الذاتية إلى الموضوعية ، بل حاول أن يثبت عن طريق تلك الحقيقة الذات والموضوع معاً ، فبدأ بذاته واستدلّ على وجودها بتلك الحقيقة ، قائلاً : (أنا أُفكّر ، فأنا ـ إذن ـ موجود) .
وقد يلاحظ على ديكارت في هذا الاستدلال : أنّه يحتوي ـ لا شعورياً ـ على الإيمان بحقائق لا زالت حتّى الآن في موضع الشكّ عنده ؛ فإنّ هذا الاستدلال تعبير غير فنّي عن الشكل الأوّل من القياس في المنطق الأرسطي ، ويرجع ـ فنّياً ـ إلى الصيغة الآتية : (أنا أُفكّر ، وكلّ مفكّر موجود ، فأنا موجود) .
ولأجل أن يصحّ هذا الاستدلال عند ديكارت يجب أن يؤمن بالمنطق ، ويعتقد بأنّ الشكل الأوّل من القياس منتج وصحيح في إنتاجه ، مع أنّه لا يزال في بداية الشوط الأوّل ، ولا يزال الشكّ مهيمناً في عقله على جميع المعارف والحقائق ومنها المنطق وقوانينه .
ولكنّ الواقع الذي يجب أن ننبّه عليه هو : أنّ ديكارت لم يكن يحسّ بحاجة إلى الإيمان بالأشكال القياسية في المنطق حين بدأ المرحلة الاستدلالية من تفكيره بـ (أنا أُفكّر ، فأنا ـ إذن ـ موجود) ، بل كان يرى أنّ معرفة وجوده عن طريق فكره ، أمر بديهي لا يحتاج إلى تشكيل قياس والتصديق بصغراه وكبراه .
ولمّا كانت هذه القضية صادقة ؛ لأنّها بديهية بشكل لا يقبل الشكّ ، فكلّ ما هو على درجتها في البداهة صادق أيضاً ، وبهذا عطف قضية أخرى على البديهية الأولى ، وسلّم بأنّها حقيقة ، وهي : أنّ الشيء لا يخرج من لا شيء .
وبعد أن آمن بالناحية الذاتية أخذ في إثبات الواقع الموضوعي ، فرتّب الأفكار الإنسانية في ثلاث طوائف :