فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٨٠ - التصوّر ومصدره الأساسي
لمعانٍ غير محسوسة ؟ !
ونواجه نفس المشكلة في المفاهيم الأخرى التي عرضناها آنفاً ، فهي جميعاً ليست من المعاني المحسوسة ، فيجب طرح التفسير الحسّي الخالص للتصوّر البشري والأخذ بنظرية الانتزاع .
٤ ـ نظرية الانتزاع :
وهي نظرية الفلاسفة الإسلاميين بصورة عامّة . وتتلخّص هذه النظرية في تقسيم التصوّرات الذهنية إلى قسمين : تصوّرات أوّلية . وتصوّرات ثانوية . فالتصوّرات الأوّلية هي الأساس التصوّري للذهن البشري ، وتتولّد هذه التصوّرات من الإحساس بمحتوياتها بصورة مباشرة . فنحن نتصوّر الحرارة لأنّنا أدركناها باللمس ، ونتصوّر اللون لأنّنا أدركناه بالبصر ، ونتصوّر الحلاوة لأننا أدركناها بالذوق ، ونتصوّر الرائحة لأننا أدركناها بالشمّ .. وهكذا جميع المعاني التي ندركها بحواسّنا ، فإنّ الإحساس بكلّ واحد منها هو السبب في تصوّره ووجود فكرة عنه في الذهن البشري . وتتشكّل من هذه المعاني القاعدة الأوّلية للتصوّر ، وينشئ الذهن بناءً على هذه القاعدة التصوّرات الثانوية ، فيبدأ بذلك دور الابتكار والإنشاء ، وهو الذي نصطلح عليه هذه النظرية بلفظ (الانتزاع) فيولّد الذهن مفاهيم جديدة من تلك المعاني الأوّلية ، وهذه المعاني الجديدة خارجة عن طاقة الحسّ وإن كانت مستنبطة ومستخرجة من المعاني التي يقدّمها الحسّ إلى الذهن والفكر .
وهذه النظرية تتّسق مع البرهان والتجربة ، ويمكنها أن تفسِّر جميع المفردات التصوّرية تفسيراً متماسكاً .
فعلى ضوء هذه النظرية نستطيع أن نفهم كيف انبثقت مفاهيم العلّة والمعلول ،