فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧٢ - التصوّر ومصدره الأساسي
٢ ـ النظريات العقلية :
وهي لعدّة من كبار فلاسفة أوروبا كـ (ديكارت [١]) و(كانت [٢]) وغيرهما . وتتلخّص هذه النظرية في الاعتقاد بوجود منبعين للتصوّرات :
أحدهما : الإحساس ، فنحن نتصوّر الحرارة والنور والطعم والصوت ؛ لأجل إحساسنا بذلك كلّه .
والآخر : الفطرة ، بمعنى : أنّ الذهن البشري يملك معانٍ وتصوّرات لم تنبثق عن الحسّ وإنّما هي ثابتة في صميم الفطرة ، فالنفس تستنبط من ذاتها . وهذه التصوّرات الفطرية عند (ديكارت) هي فكرة (الله والنفس والامتداد والحركة) وما إليها من أفكار تتميّز بالوضوح الكامل في العقل البشري . وأمّا عند (كانت) فالجانب الصوري للإدراكات والعلوم الإنسانية كلّه فطري بما يشتمل عليه من صورتي الزمان والمكان والمقولات الاثنتي عشر المعروفة عنه .
فالحسّ على أساس هذه النظرية مصدر فهم للتصوّرات والأفكار البسيطة ، ولكنّه ليس هو السبب الوحيد ، بل هناك الفطرة التي تبعث في الذهن طائفة من التصوّرات .
والذي اضطرّ العقليين إلى اتخاذ هذه النظرية في تعليل التصوّرات البشرية ، هو أنهم لم يجدوا لطائفة من المعاني والتصوّرات مبرراً لانبثاقها عن الحسّ ؛ لأنّها معانٍ غير محسوسة ، فيجب أن تكون مستنبطة للنفس استنباطاً ذاتياً من صميمها . ويتّضح من هذا : أنّ الدافع الفلسفي إلى وضع النظرية العقلية يزول تماماً
[١] راجع : مدخل إلى فلسفة ديكارت : ١٠٩ ـ ١١٤ .
[٢] راجع : زكريا إبراهيم ، كانت أو الفلسفة النقديّة : ٤٦ ـ ٨٢ .