فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٧٣ - التصوّر ومصدره الأساسي
إذا استطعنا أن نفسر التصوّرات الذهنية تفسيراً متماسكاً من دون حاجة إلى افتراض أفكار فطرية .
ولأجل ذلك يمكننا تفنيد النظرية العقلية عن طريقين :
أحدهما : تحليل الإدراك تحليلاً يرجعه برمته إلى الحسّ وييسر فهم كيفية تولد التصوّرات كافة عنه . فإن مثل هذا التحليل يجعل نظرية الأفكار الفطرية بلا مبرر مطلقاً ؛ لأنها كانت ترتكز على فصل بعض المعاني عن مجال الحسّ فصلاً نهائياً ، فإذا أمكن تعميم الحسّ لشتى ميادين التصوّر لم تبق ضرورة للتصوّرات الفطرية ، وهذا الطريق هو الذي اتخذه (جون لوك) للرد على (ديكارت) ونحوه من العقليين ، وسار عليه رجال المبدأ الحسّي مثل (باركلي) و (دافيد هيوم) بعد ذلك .
والطريق الآخر : هو الأُسلوب الفلسفي للرد على التصوّرات الفطرية ويرتكز على قاعدة : أن الآثار الكثيرة لا يمكن أن تصدر عن البسيط باعتباره بسيطاً ، والنفس بسيطة فلا يمكن أن تكون سبباً بصورة فطرية لعدّة من التصوّرات والأفكار ، بل يجب أن يكون وجود هذا العدد الضخم من والإدراكات لدى النفس بسبب عوامل خارجية كثيرة ، وهي آلات الحسّ وما يطرأ عليها من مختلف الأحاسيس [١] .
[١] وبكلمة أكثر تفصيلاً : أنّ كثرة الآثار تكشف عن أحد أُمور : إمّا كثرة الفاعل ، وإمّا كثرة القابل ، وإمّا الترتّب المنطقي بين الآثار ذواتها ، وأمّا كثرة الشرائط . وفي مسألتنا لا شكّ في أنّ التصوّرات التي نبحث عن منشئها كثيرة ومتنوّعة مع أنّه لا كثرة في الفاعل والقابل ؛ لأنّ الفاعل والقابل للتصوّرات هو النفس ، والنفس بسيطة ، ولا ترتّب ـ أيضاً ـ بين التصوّرات ، فلا يبقى إلاّ أن نأخذ بالتفسير الأخير ، وهو : أن تستند التصوّرات الكثيرة إلى شرائط خارجية ، وهي : الإحساسات المختلفة المتنوّعة . (المؤلّف (قُدِّسَ سِرُّه))