فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٩ - إيضاح عدّة نقاط عن المفهومين
أحدهما : أنّ المادّية بحاجة إلى دليل على الجانب السلبي الذي يميّزها عن الإلهية ، كحاجة الميتافيزيقا إلى برهان على الإيجاب والإثبات .
والآخر : أنّ المادّية اتّجاهٌ فلسفي كالإلهية ، ولا توجد لدينا مادّية علمية ، أي : تجريبية ؛ لأنّ العلم ـ كما عرفنا ـ لا يُثبت المفهوم المادّي للعالم لتكون المادّية علمية ، بل كلّ ما يكشف عنه العلم من حقائق وأسرار في عالم الطبيعة ، يترك مجالاً لافتراض سبب أعلى فوق المادّة . فالتجربة العلمية ـ مثلاً ـ لا يمكن أن تدلّ على أنّ المادّة ليست مخلوقة لسبب مجرّد ، أو على أنّ أشكال الحركة وألوان التطوّر التي استكشفها العلم في شتّى جوانب الطبيعة ، هي حركات وتطوّرات مكتفية ذاتياً ، وليست منبثقة عن سبب فوق حدود التجربة ومجالاتها . وهكذا كلّ حقيقة علمية . فالدليل على المادّية ـ إذن ـ لا يمكن أن يرتكز على الحقائق العلمية ، أو التجارب بصورة مباشرة ، وإنّما يصاغ في تفسير فلسفي لتلك الحقائق والتجارب ، كالدليل على الإلهية تماماً .
ولنأخذ التطوّر لذلك مثلاً ، فالعلم يُثبت وجود التطوّر الطبيعي في عدّة من المجالات ، ويمكن أن يوضَع لهذا التطوّر تفسيران فلسفيان :
أحدهما : أنّه منبثق عن صميم الشيء ، وناتج عن صراع يفترض فيه بين المتناقضات ، وهذا هو تفسير المادّية الديالكتيكية .
والآخر : أنّه ناتج عن سبب أعلى مجرّد ، فالطبيعة المتطوّرة لا تحوي في ذاتها المتناقضات ، وإنّما تنطوي على إمكان التطوّر ، وذلك السبب هو الذي يحقّق للإمكان الوجود الفعلي ، وهذا هو تفسير الفلسفة الإلهية . فنحن نلاحظ بوضوح : أنّ المفهوم العلمي إنّما هو وجود التطوّر الطبيعي ، وأمّا هذان المفهومان عن الحركة فهما مفهومان فلسفيان ، ولا يمكن أن يتأكّد من صحّة أحدهما ، وخطأ الآخر بالتجربة المباشرة .