فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٩ - أهمّ المذاهب الفلسفيّة في قيمة المعرفة
المثالي من نقطة لا نقاش فيها ، وهي : أنّ الشكل الذاتي للإحساس البشري يتوقّف تحديده على تركيب حواسّنا وعلى الجهاز العضوي بصورة عامّة . فليست طبيعة الإحساس الآتي من العالم الخارجي هي التي تحدد بمفردها شكل الشيء في إحساسنا ، بل هو رهين بطبيعة الجهاز العصبي قبل كلّ شيء ، وقد زعموا بناءً على ذلك أنّ الحاسّة لا تعطينا أنباء عن العالم الخارجي ، وإنّما هي تنبئنا عن جهازنا العضوي الخاصّ ، وليس معنى ذلك : أنّ الإحساس لا صلة له بالشيء الخارجي ، بل الأشياء الخارجية هي الأسباب الأوّلية لإثارة العمليات الحسّية في أعضائنا ، ولكن طبيعة الجهاز الخاصّ هي التي تبلور عملية الإحساس في الكيفية التي يعبّر بها عن نفسه ، ولأجل هذا فالإحساس يمكن أن يعتبر بمثابة رمز وليس بمثابة صورة ؛ ذلك لأنّ الصورة يتطلّب منها بعض الشبه مع الشيء الذي تمثّله ، وأمّا الرمز فلا يلزم أن يكون له أيّ شبه مع الشيء الذي يعنيه .
وهذا الاتّجاه المثالي من المضاعفات اللازمة للمفهوم المادّي للإدراك الذي نرفضه كلّ الرفض ، فإنّ الإدراك إذا كان عبارة عن عملية فيزيولوجية خالصة ، وتفاعل مادّي خاص بين الجهاز العصبي والأشياء الموضوعية في الخارج ، فيجب أن تكون كيفية هذا العمل الفيزيولوجي هنا مرتبطة بطبيعة الجهاز العصبي ، أو بطبيعة الجهاز وطبيعة الشيء الموضوعي معاً . وهذا ، وإن لم يكن مؤدّياً إلى مثالية صريحة ونفي لواقع العالم الموضوعي ما دمنا قد احتفظنا للأشياء الخارجية بصفة السببية لعمليات الجهاز العصبي ، إلاّ أنّه قد يسمح بالتشكيك في مدى مطابقة الإحساس للواقع الموضوعي ، والريب في أن لا يكون الإدراك مجرّد انفعال خاصّ يدلّ على سببه بصورة رمزية من دون تشابه في الحقيقة والمحتوى . وسوف نعود إلى هذا المفهوم المثالي الفيزيولوجي عن قريب .