عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٩١ - مقام الشريف الرضي بين شعراء القرن الرابع
و كان الشريف الرضي ينظر إلى تلك المواكب بعين القلق و الحيرة:
لأن الظروف السياسية كانت ضيقت عليه الخناق، و أقصت عنه أسباب السلطة الأدبية، و هي سلطة هائلة كان لها الأمر يومئذ في مصاير الرجال.
و سترون في المحاضرة المقبلة تفصيل هذا الجانب من حياة الشريف، و لكن المهم في هذه اللحظة أن تثقوا بأن الظروف هي التي أحرجته و قضت عليه و هو رجل مهذب بأن يخرج على قواعد الذوق فيزهى بشعره و يختال، المهم عندي أن تعذروا الشريف حين ترونه يقول:
سيسكتني يأسي و في الصدر حاجة # كما أنطقتني و الرجال المطامع
بضائع قول عند غيري ربحها # و عندي خسراناتها و الوضائع
غرائب لو هدّت على الطود ذي الصّفا # أصاخ اليها يذبل و القعاقع
تضاع كما ضاعت خلاة بقفرة # زفتها النّعامى و الرياح الزعازع [١]
كأن لساني نسعة حضرمية # طواها و لم يبلغ لها السوم بائع [٢]
لقد كان لي عن باحة الذل مذهب # و مضطرب عن جانب الضيم واسع
و ما مدّ ما بيني و بين مذاهبي # حجاز و لا سدّت عليّ المطالع [٣]
سيدرى من المغبون منا و منكم # إذا افترقت عما نقول المجامع
و هل تدّعي حفظ المكارم عصبة # لئام و مثلي بينها اليوم ضائع
نعم لستم الأيدي الطوال فعاونوا # على قدركم قد تستعان الأصابع
إذا لم يكن و صلي إليكم ذريعة # فيا ليت شعري ما تكون الذرائع
أرى بارقا لم يروني و هو حاضر # فكيف أرجّي ريّه و هو شاسع
سأذهب عنكم غير باك عليكم # و ما لي عذر أن تفيض المدامع
و أعتدّ فجا أنتم من حلاله # ثنيّة خوف ما له اليوم طالع [٤]
[١] الخلاة واحدة الخلا و هو الرطب من النبات، و النعامى بالضم ريح الجنوب، و زفته طردته
[٢] النسعة قطعة من النسع و هو سير من الجلد تشد به الرحال
[٣] الحجاز: هو الحاجز
[٤] الحلال بالكسر هم النازلون بالمكان. و الثنية: العقبة في الجبل.